عواصم-سانا
تشهد العلاقات بين واشنطن والعواصم الأوروبية تصعيداً متزايداً، في أعقاب إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على طرح فكرة “ضم” جزيرة غرينلاند إلى بلاده، ورفض الدنمارك والاتحاد الأوروبي هذا الطرح، باعتباره انتهاكاً لسيادة الدول وحق تقرير المصير.
وفي أحدث تطورات الملف، أعلنت الرئاسة الفرنسية اليوم الأربعاء، أن باريس تدعم إجراء مناورة عسكرية لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في غرينلاند، وأعربت عن استعدادها للمشاركة فيها، في رد غير مباشر على تصريحات ترامب، التي وصفها الأوروبيون بأنها “غير مقبولة”.
ويأتي الموقف الفرنسي بعد رفض ترامب أمس الثلاثاء، دعوة وجهها إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لحضور قمة لمجموعة السبع في باريس يوم الخميس المقبل، فعند سؤاله خلال مؤتمر صحفي عما إذا كان سيشارك في القمة، أجاب ترامب بقوله: “كلا، لن أقوم بذلك”.
وكان ماكرون أرسل رسالة إلى ترامب قبل أيام يقترح فيها عقد القمة، لكن الأخير ردّ عليها بشكل علني، بينما أكد ماكرون أنه لن يلتقي نظيره الأمريكي على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
دافوس منبراً لترامب بشأن غرينلاند
ويتوجه ترامب اليوم الأربعاء، إلى منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا، حيث يُتوقع أن يستغل منصّته لتصعيد خطابه بشأن غرينلاند، لا سيما في مواجهة الدنمارك وأوروبا.
وأمس الثلاثاء، نشر ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي صورة يبدو أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، يظهر فيها واقفاً في غرينلاند ورافعاً العلم الأمريكي، في مشهد أثار موجة من الانتقادات.
وفي محاولة لتخفيف حدة التوتر، دعا وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الأوروبيين إلى تجنب “ردود الفعل الغاضبة”، والانفتاح على الحوار مع ترامب في دافوس، وقال: “خذوا نفساً عميقاً… وتجنبوا الانسياق نحو الغضب، لا تدعوا المرارة تتسلل إليكم”.
وأشار بيسنت إلى أن الدنمارك نفسها كانت قد باعت جزر العذراء الأمريكية للولايات المتحدة عام 1917، وأضاف: “الدنمارك أدركت حينها أهمية الجزر، وكانت قلقة من التمدد الألماني في الكاريبي”.
أوروبا تدعو إلى الوحدة والحزم
في المقابل، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى تجاوز الخلافات الداخلية، محذّرة من أن “الانقسام بين الحلفاء بشأن غرينلاند يخدم مصالح الخصوم”.
وشدّدت على أن “العالم لم يعد يحتمل الحياد التقليدي”، داعية الاتحاد الأوروبي إلى التصرف “بشكل موحد وحاسم” إذا لزم الأمر.
من جهته، أكد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أن “مستقبل غرينلاند يقرره شعبها والحكومة الدنماركية وحدهما”، مشيراً إلى أن بروكسل تظل ملتزمة بالعمل البنّاء مع الولايات المتحدة في القضايا ذات المصلحة المشتركة.
وفي سياق ذي صلة، قال وزير المالية البولندي أندريه دومانسكي من دافوس: إن “خفض التوترات التجارية يظل الخيار الأفضل”، لكنه شدّد على ضرورة أن تحافظ أوروبا على وحدتها وحزمها في مواجهة الضغوط الخارجية.
ويُعدّ الاتحاد الأوروبي حالياً فرض حزمة رسوم جمركية انتقامية بقيمة 109 مليارات دولار، في حال استمرت واشنطن في سياساتها التجارية الأحادية، كما أعلن ماكرون أن الاتحاد “لا ينبغي أن يتردد” في استخدام آلية “مكافحة الإكراه”، وهي أداة تجارية قوية صُمّمت لمواجهة الضغوط الاقتصادية الخارجية.
مناورات عسكرية وتهديدات تجارية
ويشهد ملف غرينلاند تصعيداً عسكرياً أيضاً، إذ أرسلت دول أوروبية، من بينها فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، قوات إلى الجزيرة في إطار مناورة استطلاعية نظمتها الدنمارك بالتعاون مع حلفاء من الناتو، لكن خارج الإطار الرسمي للحلف، وباستثناء الولايات المتحدة.
وردّ ترامب على هذه الخطوة بتهديد الدول المشاركة بفرض رسوم جمركية جديدة تصل إلى 25% على منتجاتها، معتبراً أن غرينلاند الغنية بالمعادن الاستراتيجية، تمثل “مصلحة أمنية حيوية” للولايات المتحدة وحلف الناتو في مواجهة تنامي نفوذ بعض الدول في القطب الشمالي.