دمشق-سانا
في جريمة جديدة تضاف إلى سجل انتهاكاتها بحق الشعب الفلسطيني والمؤسسات الدولية، أقدمت السلطات الإسرائيلية اليوم الثلاثاء على هدم وتدمير مبانٍ تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في مدينة القدس المحتلة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، وسط صمت دولي وعجز أممي عن توفير الحماية اللازمة لمؤسسات الأمم المتحدة.
وفي اعتداء مباشر على منشأة أممية تتمتع بالحصانة الدولية اقتحمت قوات الاحتلال مقر الأونروا في حي الشيخ جراح بالقدس بعد محاصرة الشوارع المحيطة به، وشرعت بهدم منشآت داخل مجمع الوكالة، بالتزامن مع إنزال علم الأمم المتحدة.
هذا الاعتداء يأتي في سياق سلسلة إجراءات إسرائيلية متصاعدة بحق الأونروا، حيث أقر الكنيست الإسرائيلي في تشرين الأول 2024 قانوناً يحظر على الوكالة العمل في “إسرائيل”، ويمنع المسؤولين الإسرائيليين من التواصل معها، قبل أن يتم تشديد هذا القانون الشهر الماضي بفرض قيود إضافية، شملت حظر تزويد منشآت الوكالة بالكهرباء والمياه.
إدانات ومواقف رسمية
وفي هذا السياق أكدت جامعة الدول العربية أن الاعتداء الإسرائيلي المتواصل والمتصاعد على الأونروا يأتي في إطار تنفيذ مخطط يستهدف تصفية الوكالة الدولية وإنهاء عملها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يسهم في شطب قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم في العودة والتعويض.
وأشارت الجامعة في بيان لها إلى أن الصمت الدولي عن هذه الانتهاكات شجع الحكومة الإسرائيلية على المضي قدماً في تنفيذ هذا المخطط الخطير، في سياق الضغط على أبناء الشعب الفلسطيني وتهجيرهم قسراً.
كما أدان رئيس البرلمان العربي محمد اليماحي الاعتداءات على مقر الأونروا في حي الشيخ جراح، معتبراً ذلك انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي وخرقاً صارخاً لاتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة، واستخفافاً بقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
بدورها جددت السعودية، رفضها الانتهاكات الإسرائيلية للأعراف والقوانين الدولية والإنسانية، محملة المجتمع الدولي مسؤولية التصدي لهذه الممارسات، ولنهج إسرائيل القائم على مواصلة جرائمه بحق منظمات الإغاثة الدولية.
من جانبها وصفت وزارة الخارجية الفلسطينية هدم مقر الأونروا بأنه انتهاك واضح لالتزامات إسرائيل “القوة القائمة بالاحتلال” بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، إضافة إلى اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946.
استهداف مباشر لمؤسسات أممية
كما أكدت وكالة الأونروا أن هدم الاحتلال لمقرها في حي الشيخ جراح يمثل تحدياً غير مسبوق ومتعمد للقانون الدولي وامتيازات وحصانات الأمم المتحدة، وهجوماً مباشراً على وكالة أممية ومنشآتها.
وأوضح مدير شؤون الأونروا في الضفة الغربية رولاند فريديريك أن مقر الوكالة لا يزال ملكاً للأمم المتحدة ويتمتع بالحماية القانونية، بغض النظر عن كونه مستخدماً حالياً أم لا.
خطوة قد تطول منظمات أخرى
وحذرت الأونروا من أن ما يحدث اليوم قد يتكرر غداً بحق أي منظمة دولية أو بعثة دبلوماسية أخرى، سواء في الأرض الفلسطينية المحتلة أو في أي مكان في العالم، في ظل تعرض القانون الدولي لهجمات متزايدة وغياب ردود فعل رادعة.
كما شددت الأمم المتحدة على أن استمرار الاعتداءات على منشآتها سيقوض قدرتها على أداء مهامها الإنسانية، وسيشكل سابقة خطيرة في مناطق النزاع، فيما طالبت منظمات حقوقية دولية بفتح تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
ذرائع واهية ومخطط استيطاني
وتواصل سلطات الاحتلال تبرير عمليات الهدم تحت ذرائع مختلفة ترفضها المؤسسات الحقوقية الدولية باعتبارها غطاءً قانونياً زائفاً لسياسات التهجير القسري والعقاب الجماعي.
ونقلت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية عن مصادر لم تسمها أن سلطات الاحتلال قدمت مخططاً لإقامة 1400 وحدة استيطانية في المنطقة التي كانت تضم مقر الأونروا في حي الشيخ جراح، بعد إخلائه وهدم المنشآت داخله، مع نية الاحتلال إخلاء مقر آخر للوكالة في حي كفر عقب شمال القدس قريباً.
تداعيات إنسانية
وتشير بيانات الأونروا الصادرة أواخر العام 2025 إلى أن الهجمات الإسرائيلية المتكررة على منشآتها أدت إلى حرمان آلاف الطلبة من التعليم، وفاقمت الأوضاع الإنسانية في مناطق تعاني أصلاً من حصار خانق ونقص حاد في الخدمات الأساسية ما يترك آثاراً نفسية واجتماعية طويلة الأمد عليهم.
هدم إسرائيل لمباني الأونروا جريمة منظمة
ويرى مراقبون أن هدم مباني الأونروا ليس إجراء معزولاً، بل جريمة منظمة تندرج ضمن حرب إسرائيل على الوجود الفلسطيني واستهدافها الممنهج للمؤسسات الإنسانية، ما يستدعي تحركاً دولياً فاعلاً يضمن حماية منشآت الأمم المتحدة ومحاسبة الاحتلال على جرائمه وصون حقوق اللاجئين الفلسطينيين غير القابلة للتصرف وفق القرارات الأممية.