عواصم-سانا
عادت قضية غرينلاند إلى الواجهة الدولية، بعد أن جدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سعيه الصريح للسيطرة على الجزيرة الدنماركية، ما أشعل موجة جديدة من التوتر داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وأثار تساؤلات جدية حول مستقبل التحالف الاستراتيجي الذي يربط الولايات المتحدة بأوروبا.
في تصريحات أدلى بها أمس الجمعة ونقلتها مجلة “ذا تايمز” الأمريكية، لم يستبعد ترامب احتمال انسحاب الولايات المتحدة من الحلف إذا لم يدعم مساعيه للسيطرة على غرينلاند، مؤكداً أن “مفاوضات جارية” بهذا الشأن.
ويُعدّ هذا التهديد استمراراً لنهجٍ سبق أن اتبعه ترامب خلال ولايته الأولى عام 2017، حين هدّد بالانسحاب ما لم تلتزم الدول الأعضاء بإنفاق 2% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع.
انقسام داخل الحلف
رغم محاولات الأمين العام الحالي للناتو مارك روته، تجنب التصعيد العلني والتأكيد على العمل “خلف الكواليس”، فإن التحذيرات تتصاعد من داخل الحلف نفسه، فالأمين العام السابق ينس ستولتنبرغ، حذّر من أن الخلافات المتزايدة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين قد تدفع أمريكا فعلياً إلى مغادرة الناتو، ما يهدد وجود التحالف ذاته بعد أكثر من 77 عامًا على تأسيسه.
ردود فعل أوروبية حادة
رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، ردت بحزم، محذّرة من أن أي عمل عسكري أمريكي ضد غرينلاند التي تتمتع بحكم ذاتي ضمن المملكة الدنماركية، سيُعتبر “انتهاكاً صارخاً” وسيؤدي إلى “نهاية الناتو”.
وفي فرنسا، تصاعدت الدعوات لاتخاذ موقف أكثر استقلالية، إذ قدّمت كليمانس غيتّه، نائبة رئيس الجمعية الوطنية عن حزب “فرنسا الأبية” اليساري، مشروع قرار يدعو إلى خروج فرنسا من الحلف، خشيةً من جرّ البلاد إلى نزاعات لا تخدم مصالحها.
من جهته، دعا المستشار الألماني فريدريش ميرتس أوروبا إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي عن الولايات المتحدة، محذراً من خطر تهميش القارة في نظام عالمي سريع التحوّل.
معارضة داخلية في الكونغرس
لم تقتصر المعارضة على الخارج، بل تصاعدت أيضاً داخل أروقة الكونغرس الأمريكي، حتى بين الجمهوريين، إذ برزت مخاوف من أن استراتيجية ترامب تُعدّ “خطأً استراتيجياً فادحاً”.
ويعمل كبار أعضاء الحزب الجمهوري، وعلى رأسهم السيناتور توم تيليس، على حشد الدعم لاشتراط موافقة الكونغرس قبل أي تحرك عسكري في غرينلاند، بهدف منع أي محاولة للاستيلاء عليها خارج الإطار القانوني.
تعتبر واشنطن غرينلاند موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية في منطقة القطب الشمالي، وخاصةً في ظل التنافس المتصاعد مع قوى عالمية على الموارد الطبيعية والطرق البحرية الجديدة التي يفتحها ذوبان الجليد، غير أن أي محاولة من الولايات المتحدة لضم الجزيرة أو فرض السيطرة عليها قد تدفع حلف الناتو إلى أزمة وجودية: فهل ستبقى الدنمارك عضواً في تحالف يُفترض أنه يحمي سيادتها، بينما تُنتهك أراضيها من قبل أحد أعضائه؟ وماذا عن موقف الدول الأوروبية ومستقبل شراكتها مع الولايات المتحدة أقوى أعضاء الحلف؟