إسلام أباد-سانا
دخلت العلاقات الباكستانية – الأفغانية مؤخراً مرحلة توتر حاد، عقب تنفيذ القوات الجوية الباكستانية أواخر الشهر الماضي غارات داخل الأراضي الأفغانية، استهدفت مواقع، تقول إسلام آباد إنها تؤوي زعيم حركة طالبان باكستان، نور ولي محسود، فيما اعتبرتها كابول انتهاكاً صريحاً لسيادتها، حيث تلت الغارات اشتباكات حدودية في ولايات ننغرهار وخوست وكونر، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، ودفعت بالمنطقة إلى حافة مواجهة مفتوحة.
ومع تصاعد القلق الإقليمي من توسع الصراع، كثرت التكهنات حول مآلاته بين الجارين باكستان وأفغانستان، ما دفع قطر وتركيا للتدخل بوساطة نشطة، جمعت الطرفين في إسطنبول، أفضت إلى اتفاق وقف لإطلاق النار، تضمن الالتزام بوقف العمليات العسكرية العابرة للحدود، وتفعيل قنوات تفاوض لمراقبة الأوضاع الميدانية، واستئناف المفاوضات الرامية للتوصل إلى هدنة دائمة.
وزارة الخارجية التركية أعلنت أن “جميع الأطراف توافقوا على استمرار وقف إطلاق النار، وأنه سيتم دراسة تفاصيل تنفيذه خلال اجتماعٍ عالي المستوى في إسطنبول في السادس من تشرين الثاني الجاري”.
وقالت الوزارة في بيان: “إن الاجتماع الجديد من شأنه أن يسمح بإنشاء آلية مراقبة وتحقق، تضمن الحفاظ على السلام وتطبيق العقوبات على الطرف الذي ينتهكه”.
بدورها، أعلنت وزارة الخارجية القطرية أن جميع الأطراف اتفقت خلال اجتماعات إسطنبول في الفترة من 25 إلى 30 من تشرين الأول، على وضع آلية للرصد والتحقق، تضمن الحفاظ على السلام وفرض عقوبات على الطرف المخالف.
في المقابل، أعلنت قناة “بي تي في” الرسمية الباكستانية أن إسلام آباد وافقت على استئناف المفاوضات بناءً على طلب الدول المضيفة، لافتة إلى أنها ستظل ملتزمة بالسعي إلى حل سلمي بحسن نية، بينما أشار المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد للمرة الأولى إلى أن “عملية معقدة، اختتمت باتفاق الجانبين على الاجتماع مجدداً ومناقشة القضايا المتبقية، مشيراً إلى التزام بلاده بحل النزاعات عبر الوسائل الدبلوماسية، وسعيها إلى علاقات جيدة مع باكستان قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل بالشؤون الداخلية.
ويتهم الجيش الباكستاني السلطات الأفغانية بالسماح لحركة طالبان باكستان بالتحرك بحرية داخل الأراضي الأفغانية وشن هجمات ضد قواته في المناطق الحدودية، بينما تنفي كابول هذه الاتهامات وتقول: إن هذه الجماعة “كيان مستقل” لا علاقة له بحكومة طالبان الأفغانية.
ويأمل سكان المناطق الحدودية أن تسفر هذه المحادثات عن إعادة فتح المعابر واستئناف التجارة، وسط مخاوف من أن يؤدي أي فشل جديد إلى صراع طويل الأمد يهدد استقرار المنطقة.
وتعود جذور الصراع الحدودي بين أفغانستان وباكستان إلى اتفاقية “خط ديورند” التي رسمتها بريطانيا عام 1893، والتي فصلت القبائل البشتونية بين الجانبين.
ورغم اعتراف باكستان بهذا الخط كحدود دولية منذ تأسيسها عام 1947، رفضت أفغانستان الاعتراف به، معتبرةً أنه فرض استعماري غير شرعي، ما أدى إلى توتر مستمر بين البلدين امتد لعقود.
وتعد الأزمة الحالية بين البلدين اختباراً حقيقياً لقدرة دول جنوب غرب آسيا على تجاوز إرث صراعات الهوية القومية، نحو بناء نظامٍ إقليمي متكامل؛ فاستقرار العلاقة بين كابول وإسلام آباد ليس مجرد شأنٍ ثنائي، بل ركيزة أساسية لأمن المنطقة وممرّاتها الاقتصادية الكبرى.