بكين-سانا
تكشف التحركات الاقتصادية الصينية عن مفارقة لافتة، فبينما تجاوز نمو الاقتصاد التوقعات خلال الربع الثالث من العام الجاري، تواصل بكين زيادة احتياطياتها من الذهب للشهر الثالث والعشرين على التوالي، في مسار يعكس توجهاً استراتيجياً يتجاوز تقلبات الأسواق، ويرتبط بإعادة توزيع الأصول والتحوط من المخاطر المالية والجيوسياسية.
وبحسب بيانات المكتب الوطني الصيني للإحصاء الصادرة أمس الإثنين، نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.5 بالمئة على أساس سنوي خلال الفترة من تموز إلى أيلول، متجاوزاً توقعات المحللين البالغة 4.4 بالمئة، ومقارنة بنمو بلغ 4.3 بالمئة في الربع الثاني.
وعلى أساس فصلي، تسارع النمو إلى 1.2 بالمئة، مقابل 0.9 بالمئة في الأشهر الثلاثة السابقة، فيما بلغ النمو 4.6 بالمئة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، ليبقى ضمن نطاق الهدف الحكومي السنوي البالغ 4.5 إلى 5 بالمئة.
غير أن تحسن المؤشرات لا يعني أن الاقتصاد الصيني تجاوز تحدياته الهيكلية، إذ لا يزال التعافي غير متوازن، مع استمرار ضعف الاستثمار وتراجع الطلب المحلي، رغم تحسن مبيعات التجزئة وتسارع الإنتاج الصناعي.
وتراجعت الاستثمارات في الأصول الثابتة بنسبة 7.2 بالمئة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، بينما ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 5.5 بالمئة في أيلول، وتسارعت مبيعات التجزئة إلى 1.1 بالمئة، وفق البيانات الرسمية.
وتعزز هذه المؤشرات أهمية الصادرات في دعم النمو الصيني، في وقت تراهن فيه بكين على قوة قطاع الصناعات التحويلية والطلب العالمي المرتبط بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مع تجنب اللجوء إلى حزم تحفيز واسعة النطاق، لكن استمرار ضعف الاستثمار والإنفاق الاستهلاكي يطرح تساؤلات حول قدرة هذه المحركات على ضمان نمو متوازن ومستدام.
الذهب.. تحوط استراتيجي يتجاوز تقلبات الأسعار
في موازاة ذلك، يواصل بنك الشعب الصيني تعزيز حيازاته من الذهب، إذ أضاف نحو 23 طناً إلى احتياطياته خلال أيلول، في أكبر زيادة شهرية منذ قرابة ثلاثة أعوام، وفق بيانات نقلتها رويترز وبلومبرغ، وبذلك امتدت سلسلة المشتريات إلى 23 شهراً متتالياً، فيما بلغت حيازات الصين الرسمية نحو 2387 طناً بنهاية آب، بحسب بيانات مجلس الذهب العالمي.
ولا تقتصر أهمية هذا التوجه على مشتريات البنك المركزي؛ فقد أنفقت الصين نحو 158.8 مليار دولار على استيراد أكثر من ألف طن من الذهب خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، متجاوزة قيمة وارداتها المسجلة خلال عام 2025 بأكمله، والبالغة 96.5 مليار دولار، وفق بيانات أوردتها صحيفة فايننشال تايمز ونقلتها وسائل إعلام اقتصادية.
ويعكس هذا الطلب المتزايد تداخل عاملين رئيسيين هما سعي السلطات إلى تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الأصول المقومة بالدولار، واتجاه الأسر والمستثمرين إلى الذهب في ظل محدودية البدائل المحلية الجاذبة، ولا سيما مع استمرار الضغوط على سوق العقارات وضعف العوائد المتاحة على الودائع والسندات.
وتكتسب مساعي تنويع الاحتياطيات أهمية إضافية في ضوء تجميد دول غربية أصول البنك المركزي الروسي عقب الحرب مع أوكرانيا عام 2022، الأمر الذي أبرز المخاطر المرتبطة بإمكانية تقييد الوصول إلى الاحتياطيات المحتفظ بها في الخارج.
وفي المقابل، يمنح الذهب المادي المخزن داخل الدولة حائزه قدراً أكبر من الاستقلال عن الأنظمة المالية الأجنبية، وإن كان لا يخلو من مخاطر تقلب الأسعار وتكاليف التخزين.
وفي هذا السياق، يرى محللون اقتصاديون أن تقليص الاعتماد على سندات الخزانة الأمريكية يمثل أحد الدوافع الاستراتيجية للمشتريات الصينية، في حين قدّر أن مشتريات البنك المركزي الفعلية يمكن أن تتجاوز الأرقام المعلنة رسمياً.
وتنسجم هذه التوجهات مع تراجع حيازات الصين من سندات الخزانة الأمريكية إلى 618 مليار دولار في تموز، وهو أدنى مستوى منذ عام 2008، وفق بيانات وزارة الخزانة الأمريكية.
الطلب الصيني يدعم الذهب عالمياً
وتتجاوز تداعيات هذه السياسة حدود الصين، إذ أصبح الطلب الصيني أحد العوامل التي تدعم أسعار الذهب في الأسواق العالمية، بالتزامن مع اتجاه بنوك مركزية أخرى إلى تنويع احتياطياته.
ووفق مسح لمجلس الذهب العالمي نشر في حزيران الماضي، قالت 45 بالمئة من البنوك المركزية المشاركة إنها تعتزم زيادة حيازاتها من الذهب خلال الاثني عشر شهراً التالية، وهي أعلى نسبة منذ بدء المسح عام 2018.
وفي ظل تقلبات أسعار المعدن النفيس يكتسب استمرار المشتريات أهمية خاصة، فبعد موجة ارتفاع قوية في وقت سابق من العام، تعرض الذهب لضغوط خلال أيلول، مع ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد المخاوف التضخمية وتغير توقعات أسعار الفائدة الأمريكية، ومع ذلك، واصلت الصين الشراء، بما يشير إلى أن استراتيجيتها لا تقوم حصراً على توقع ارتفاع الأسعار، بل على بناء احتياطيات طويلة الأجل، والاستفادة من فترات التراجع لتعزيز الحيازات.
لكن استمرار هذا الاتجاه ليس مضموناً بصورة مطلقة، حسب المختصين، فعودة الثقة إلى سوق العقارات والأسهم الصينية، أو ارتفاع العوائد على الأصول المالية المحلية، قد تقلل جاذبية الذهب لدى المستثمرين، كما أن انحسار التوترات الجيوسياسية أو تغير توجهات البنوك المركزية العالمية يمكن أن يحد من الطلب عليه.
وتشير هذه المعطيات إلى أن تجاوز الاقتصاد الصيني توقعات النمو لا يتعارض مع استمرار تكديس الذهب، بل يعكس توجهين متكاملين في حسابات بكين وهما الحفاظ على زخم النشاط الاقتصادي من جهة، وتعزيز قدرة الاحتياطيات على مواجهة المخاطر الخارجية من جهة أخرى.
فبالنسبة إلى الصين، لا يمثل الذهب بديلاً عن النمو، بقدر ما يشكل أداة تحوط في عالم تتزايد فيه الضغوط على التجارة والعملات والأصول المالية التقليدية.