بروكسل-سانا
كشفت دراسة صادرة عن معهد الاقتصاد الألماني “آي.دبليو” أن التجارة في السلع بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة سجلت خلال العام الماضي مستوى قياسياً بلغ 875 مليار يورو (نحو تريليون دولار)، رغم استمرار الرسوم الجمركية والتوترات التجارية، ما يعكس متانة العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي، لكنه في الوقت نفسه يخفي اختلالات قطاعية واضحة.
وأظهرت الدراسة حسب CNN الاقتصادية، أن صادرات الاتحاد الأوروبي من السلع إلى الولايات المتحدة ارتفعت بنسبة 7.7% لتصل إلى 580 مليار يورو، بينما زادت واردات الاتحاد الأوروبي من الولايات المتحدة بنسبة 2.2% لتبلغ 295 مليار يورو، ما أدى إلى ارتفاع الفائض التجاري الأوروبي إلى نحو 285 مليار يورو.
وأرجعت الدراسة جزءاً من هذا الارتفاع إلى قيام الشركات الأوروبية بتسريع صادراتها قبل دخول رسوم جمركية جديدة حيّز التنفيذ في نيسان، معتبرة أن هذا العامل قد يكون مؤقتاً ولا يعكس بالضرورة اتجاهاً بنيوياً مستقراً في التجارة.
وفي هذا السياق، قال باحثون في الدراسة، إن “هذا الانطباع الأولي مضلل”، في إشارة إلى أن الأرقام الإجمالية لا تعكس التباينات القطاعية العميقة داخل التجارة الثنائية.
قطاع السيارات الأكثر تضرراً
وأظهرت البيانات أن قطاع السيارات كان الأكثر تضرراً، إذ تراجعت صادرات الاتحاد الأوروبي من السيارات وقطع الغيار إلى الولايات المتحدة بنسبة 20.4% خلال عام 2025، بينما سجلت ألمانيا التي تمثل نحو ثلثي صادرات السيارات الأوروبية إلى السوق الأميركية، انخفاضاً بنسبة 18.9%.
ويعكس هذا التراجع استمرار الضغوط على القطاع الصناعي الأوروبي، ولا سيما الألماني، في ظل المنافسة العالمية وتداعيات الرسوم الجمركية والتباطؤ في بعض الأسواق الرئيسية.
في المقابل، خالفت أيرلندا الاتجاه العام، إذ قفزت صادراتها إلى الولايات المتحدة بنسبة 52.7%، مدفوعة بقطاعي الأدوية والكيماويات المعفيين من الرسوم الجمركية، بينما سجلت دول مثل التشيك (+5.1%) وإيطاليا (+7.2%) والدانمارك (+10.6%) وفنلندا (+10.8%) زيادات متفاوتة.
وأوضحت الدراسة أن أكثر من 40% من واردات الاتحاد الأوروبي من الخدمات الأميركية تتعلق برسوم الملكية الفكرية، بما يشمل تراخيص البرمجيات وبراءات الاختراع والعلامات التجارية، والتي ارتفعت بنسبة 13.7%.
كما تراجعت واردات الاتحاد الأوروبي من خدمات السفر الأميركية بنحو 8% وهو ما يرجح أنه مرتبط بانخفاض أعداد السياح الأوروبيين المتجهين إلى الولايات المتحدة خلال العام الماضي.
دعوات لتجنب التصعيد التجاري
وحذّرت الدراسة من أن أي تصعيد جديد في النزاع التجاري بين الجانبين من شأنه زيادة حالة عدم اليقين وإضعاف النشاط الاقتصادي على ضفتي الأطلسي، مشيرة إلى أن الاتفاقات التجارية الحالية، رغم ما يعتريها من اختلالات، تمثل إطاراً عملياً ينبغي الحفاظ عليه لتفادي اضطرابات إضافية في سلاسل التوريد والتجارة العالمية.
وأكد المعهد الاقتصادي الألماني أن العلاقة التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تبدو أكثر توازناً عند احتساب تجارة السلع والخدمات معاً، في ظل فائض أوروبي في السلع يقابله عجز في الخدمات. ورغم وصول التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى مستويات تاريخية، إلا أن الصورة العامة ليست إيجابية بالكامل، فالنمو الكلي حسب الباحثين يخفي تحولات عميقة في بنية التجارة، أبرزها تراجع الصناعة الثقيلة، مقابل صعود قطاعات الأدوية والخدمات الرقمية، مع استمرار هشاشة العلاقة أمام أي تصعيد تجاري جديد.