بروكسل-سانا
رغم انحسار المخاوف من اضطراب إمدادات النفط مع إعادة فتح مضيق هرمز وعودة حركة الملاحة تدريجياً، فإن سوق الغاز الأوروبية لا تزال تعيش حالة من القلق، وسط تحذيرات من أن القارة قد تواجه أحد أصعب مواسم الشتاء منذ أزمة الطاقة عام 2022.
ويعود ذلك إلى انخفاض مستويات التخزين، وتزايد المنافسة العالمية على شحنات الغاز الطبيعي المسال، واستمرار الضغوط الجيوسياسية على ملف الطاقة.
مخزونات عند أدنى مستوياتها منذ سنوات
وحذرت صحيفة فايننشال تايمز، استناداً إلى تقديرات شركة وود ماكنزي وبيانات منظمة البنية التحتية للغاز في أوروبا، من أن الاتحاد الأوروبي قد يدخل موسم التدفئة المقبل بأدنى مستويات لمخزونات الغاز منذ عام 2011، إذ من المتوقع ألا تتجاوز مرافق التخزين نسبة امتلاء تبلغ 76 بالمئة مع نهاية موسم إعادة التخزين في تشرين الأول المقبل، وهو مستوى يقل عن الأهداف التي وضعتها المفوضية الأوروبية لضمان أمن الإمدادات خلال الشتاء.
وأضافت الصحيفة: إن المخزونات الأوروبية بدأت موسم إعادة التعبئة عند مستويات منخفضة بعد شتاء استثنائي البرودة، فيما لا تزال مستويات التخزين الحالية أقل بنحو عشرة بالمئة من متوسطها خلال السنوات الماضية، الأمر الذي يزيد من هشاشة السوق إذا تعرضت الإمدادات لأي اضطراب جديد.
سوق الغاز أكثر حساسية من النفط
وترى شركة ICIS المتخصصة في استخبارات وتحليلات أسواق الطاقة أن الأزمة الأخيرة كشفت اختلافاً واضحاً بين سوقي النفط والغاز، إذ كانت سوق الغاز الأوروبية الأكثر تأثراً بالتطورات الجيوسياسية، وارتفعت التقلبات اليومية في مؤشر الغاز الهولندي (TTF) إلى نحو سبعة بالمئة خلال الأزمة، مقابل ارتفاع محدود نسبياً في تقلبات خام برنت، وهو ما يعكس اعتماد أوروبا الكبير على واردات الغاز الطبيعي المسال، مقارنة بتنوع مصادر إمدادات النفط عالمياً.
وأوضحت الشركة أن أوروبا ستحتاج إلى عشرات الشحنات الإضافية من الغاز الطبيعي المسال قبل حلول الشتاء لإعادة بناء مخزوناتها، في وقت تتزايد فيه المنافسة مع الأسواق الآسيوية على الكميات المتاحة.
منافسة آسيوية ترفع المخاطر
وتشير تحليلات ICIS إلى أن احتمالات ارتفاع الطلب في آسيا خلال الأشهر المقبلة، ولا سيما في اليابان وكوريا الجنوبية والصين وتايوان، قد تزيد من صعوبة حصول أوروبا على شحنات الغاز المسال، وخاصة إذا بقيت الأسعار الآسيوية أكثر جاذبية للمصدرين من الأسعار الأوروبية، ما قد يفرض على الدول الأوروبية دفع أسعار أعلى لتأمين احتياجاتها قبل الشتاء.
كما تشير بيانات الشركة إلى أن سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية تعاني بالفعل نقصاً في المعروض، الأمر الذي يجعل أي اضطراب جديد في صادرات المنتجين الرئيسيين أو في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز عاملاً قد يدفع الأسعار إلى موجة ارتفاع جديدة.
ضغوط أمريكية.. وبدائل محدودة
وبالتوازي مع تحديات الإمدادات، تتعرض أوروبا لضغوط سياسية وتجارية متزايدة من الولايات المتحدة، فقد نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن السفير الأمريكي لدى الاتحاد الأوروبي، أندرو بوزدر، دعوته بروكسل إلى الالتزام الكامل بالاتفاق التجاري المبرم مع واشنطن، محذراً من أن أي تعديل عليه قد ينعكس سلباً على الترتيبات المتعلقة بإمدادات الغاز الطبيعي المسال الأمريكي.
وأشارت وول ستريت جورنال إلى أن مسؤولين أوروبيين اعتبروا هذه التصريحات محاولة لزيادة اعتماد أوروبا على الغاز الأمريكي، في وقت تسعى فيه دول مثل إيطاليا وإسبانيا إلى توسيع وارداتها من الجزائر، رغم أن محدودية قدرات خطوط الأنابيب تجعل هذا الخيار غير كافٍ لتعويض الاحتياجات الأوروبية بالكامل.
وبحسب بيانات المفوضية الأوروبية، أصبحت الولايات المتحدة أكبر مزود للاتحاد الأوروبي بالغاز الطبيعي المسال، فيما تواصل أوروبا العمل على خفض اعتمادها على الغاز الروسي ضمن خططها الرامية إلى إنهاء وارداته خلال السنوات المقبلة.
تقلبات مستمرة في الأسعار
من جهتها، أفادت وكالة رويترز بأن أسعار الغاز الأوروبية سجلت ارتفاعاً جديداً مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن حركة الشحن عبر مضيق هرمز، رغم استمرار المحادثات بين واشنطن وطهران.
ونقلت الوكالة عن محللين أن السوق لا تزال تمنح علاوة مخاطر للتطورات الأمنية في الشرق الأوسط، في وقت تراقب فيه أيضاً مستويات الإمدادات النرويجية والطلب الأوروبي مع ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف.
الشتاء المقبل تحت اختبار أمن الطاقة
ورغم تأكيد المفوضية الأوروبية أن مستويات التخزين الحالية لا تشكل خطراً فورياً على أمن الطاقة، فإن معظم التقديرات الصادرة عن المؤسسات المتخصصة تجمع على أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في قدرة أوروبا على إعادة بناء مخزوناتها.
فاستمرار المنافسة العالمية على الغاز الطبيعي المسال، واحتمال تعطل الإمدادات، إلى جانب استمرار التوترات الجيوسياسية، عوامل قد تجعل سوق الغاز الأوروبية الأكثر عرضة للتقلبات، وتعيد أزمة الطاقة إلى واجهة المشهد الاقتصادي مع اقتراب الشتاء.