عواصم-سانا
تشهد إيران تصاعداً في أزماتها الاقتصادية مع تسجيل السيولة النقدية والقاعدة النقدية مستويات قياسية، بالتزامن مع ارتفاع التضخم إلى معدلات غير مسبوقة، في ظل استمرار العقوبات وتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية، إلى جانب مشكلات هيكلية يعانيها الاقتصاد الإيراني منذ سنوات، وفق ما تظهره البيانات الرسمية وتحليلات خبراء الاقتصاد.
وبحسب تقرير نشرته إندبندنت عربية، أظهرت بيانات البنك المركزي الإيراني، أن حجم السيولة النقدية ارتفع بنهاية العام المالي الماضي بنسبة 53.3 بالمئة، ليصل إلى نحو 15 ألفاً و581 ألف مليار تومان، فيما قفزت القاعدة النقدية بنسبة 61.5 بالمئة لتتجاوز ألفين و196 ألف مليار تومان، وهي أعلى مستويات تسجل منذ سبعينيات القرن الماضي.
وعزا البنك المركزي الإيراني هذه الزيادة إلى تعديل قيمة الأصول الأجنبية، وتلبية الاحتياجات المالية للحكومة، إضافة إلى تداعيات الظروف الأمنية والحرب، إلا أن اقتصاديين يرون أن هذه العوامل لا تفسر وحدها القفزة الكبيرة في السيولة، ويعزونها أيضاً إلى سنوات من التوسع النقدي وتمويل عجز الموازنة عبر البنك المركزي، محذرين من أن ضخ المزيد من الأموال دون نمو حقيقي في الإنتاج يؤدي إلى ارتفاع التضخم، وتراجع قيمة الريال، وتآكل القدرة الشرائية.
عقد من التوسع النقدي
وحسب إندبندنت فإن وتيرة نمو السيولة تسارعت بصورة ملحوظة منذ عام 2018، بالتزامن مع عودة العقوبات وتراجع الإيرادات النفطية واتساع عجز الموازنة، إذ ارتفع إجمالي السيولة من نحو ألفي ألف مليار تومان عام 2018 إلى أكثر من 15 ألف ألف مليار تومان خلال سبعة أعوام فقط، في مؤشر على التوسع المستمر في الكتلة النقدية.
ويرى خبراء أن استمرار الحكومة في تمويل جزء من عجزها عبر الجهاز المصرفي والبنك المركزي، إلى جانب ضعف استقلالية البنك المركزي، أسهم في خلق كميات كبيرة من النقود دون غطاء إنتاجي كافٍ، ما دفع جانباً من السيولة نحو أسواق العملات الأجنبية والذهب والعقارات بدلاً من الاستثمار والإنتاج، الأمر الذي فاقم الضغوط التضخمية.
التضخم يقترب من 89 بالمئة
وفي مؤشر جديد على تفاقم الأزمة، أظهرت بيانات مركز الإحصاء الإيراني، نقلتها وكالة فرانس برس، أن معدل التضخم السنوي ارتفع في حزيران إلى 88.6 بالمئة، مقارنة بنحو 68 بالمئة في شباط الماضي، قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ـ الإيرانية، ليسجل أحد أعلى مستوياته خلال السنوات الأخيرة.
وبيّنت البيانات أن أسعار المواد الغذائية تضاعفت مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، إذ ارتفعت أسعار الخبز والحبوب بنسبة 138.8 بالمئة، فيما قفزت أسعار اللحوم الحمراء والدواجن بنسبة 178.2 بالمئة، ما يعكس الضغوط الكبيرة التي تواجهها الأسر الإيرانية.
انعكاسات على معيشة الإيرانيين
ولا تقتصر تداعيات التضخم وارتفاع السيولة النقدية على المؤشرات الاقتصادية، بل تمتد إلى الحياة اليومية للإيرانيين، إذ أدى تراجع قيمة الريال والارتفاع المتواصل في أسعار السلع الأساسية إلى تآكل القدرة الشرائية، واتساع الضغوط المعيشية.
وتشير بيانات مركز الإحصاء الإيراني إلى أن أسعار الغذاء سجلت زيادات غير مسبوقة خلال عام واحد، بينما يحذر اقتصاديون من أن استمرار التوسع النقدي دون نمو في الإنتاج سيؤدي إلى موجات تضخمية جديدة، ويزيد من الضغوط الاجتماعية.
مخاوف من تداعيات اجتماعية
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، إذ تتزايد المخاوف من انعكاساتها الاجتماعية، مع استمرار تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة.
وأشارت تقارير إعلامية لوسائل إعلام دولية إلى أن مسؤولين إيرانيين دعوا إلى التركيز على معالجة التضخم وتحسين الأوضاع المعيشية، في وقت حذرت فيه وزارة الاستخبارات من احتمال استغلال الضغوط الاقتصادية لإثارة اضطرابات داخلية، بعد احتجاجات شهدتها مدن إيرانية خلال الأشهر الماضية على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية.
العقوبات والسياسات الاقتصادية
ويرى محللون أن العقوبات الغربية المستمرة زادت من الضغوط على الاقتصاد الإيراني، إلا أنهم يشيرون أيضاً إلى أن عجز الموازنة، وضعف استقلالية البنك المركزي، والسياسات النقدية التوسعية، أسهمت بدور رئيس في تفاقم الأزمة، في ظل محدودية الإنتاج والاستثمار وتراجع الإيرادات الحكومية.
ويجمع اقتصاديون على أن استمرار تمويل الإنفاق الحكومي عبر التوسع في إصدار النقد، دون إصلاحات اقتصادية وهيكلية تعزز الإنتاج والاستثمار، سيبقي معدلات التضخم مرتفعة، ويزيد الضغوط على العملة الوطنية، ما ينذر باستمرار التحديات الاقتصادية والمعيشية خلال المرحلة المقبلة.