ريف دمشق-سانا
في ظل تحديات الحفاظ على الأصول الوراثية للموارد النباتية وحمايتها، يبرز دور البنك الوراثي الوطني التابع لوزارة الزراعة السورية كركيزة أساسية في حماية التنوع الحيوي الزراعي وضمان استدامة الإنتاج الغذائي، ومخزون استراتيجي للبذور والسلالات النباتية التي تمتاز بقدرتها على التكيف مع الظروف البيئية المحلية.
8000 عينة

يضم البنك الوراثي حالياً الذي يتخذ من منطقة دير الحجر بريف دمشق، نحو 8000 عينة من الموارد الوراثية النباتية على شكل عشائر نباتية وسلالات محمية متأقلمة مع البيئة المحلية.
وتشمل العينات محاصيل الحبوب كالقمح المزروع والقمح البري والشعير المزروع والشعير البري والذرة الصفراء والذرة البيضاء وذرة المكانس، والمحاصيل البقولية والعلفية كالحمص والعدس والفول والبيقية المزروعة والعلفية والجلبانة المزروعة والبرية والبازلاء البرية، إضافة إلى الخضار الصيفية والشتوية، والمحاصيل الزيتية كدوار الشمس والفول السوداني والعصفر والسمسم.
حفظ الموارد وفق المعايير الدولية

أكدت رئيسة قسم الأصول الوراثية في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية الدكتورة ميسون صالح في تصريح لمراسلة سانا، أن حفظ الموارد الوراثية النباتية يجري في قسم الأصول الوراثية استناداً إلى المعايير الدولية، وذلك في عبوات بلاستيكية ضمن غرفة تبريد متوسط بدرجات حرارة تتراوح بين (0–4) درجات مئوية، وتسمى بالعينات النشطة.
كما تحفظ ذات العينات ضمن ظروف خاصة مفرغة تماماً من الهواء في غرفة التبريد العميق عند (- 18) درجة مئوية وتسمى بالعينات الأساسية، وتحفظ للأجيال اللاحقة لمدة 50 سنة تقريباً.
الاستثمار في برامج التربية والأبحاث العلمية
ويعمل البنك الوراثي الوطني وفق صالح على تزويد مربي النبات بعدد من الموارد الوراثية النباتية المتميزة من القمح والشعير والمحاصيل الزيتية، ليتم استثمارها في برامج التربية والتحسين الوراثي، ما يسهم في دفع عجلة التنمية الزراعية.

وأشارت صالح إلى أن البنك الوراثي يزود وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بعدد من هذه الموارد للاستفادة منها في الأبحاث التطبيقية بمرحلة الدراسات العليا في جامعات دمشق وحلب وحمص واللاذقية وإدلب.
ولفتت إلى أن البنك الوراثي يعمل أيضاً على إتاحة هذه الموارد للباحثين والمؤسسات العلمية المهتمة، ضمن خطة التبادل المعتمدة لدى قسم الأصول الوراثية، وبناء على طلب رسمي وفق القانون رقم 20 لعام 2009 الناظم لتبادل الأصول الوراثية النباتية محلياً، واستناداً إلى القوانين الدولية وخاصة المعاهدة الدولية للموارد الوراثية النباتية التي وقعت عليها أغلب دول العالم ومنها سوريا ودول الاتحاد الأوروبي، حفاظاً على حقوق الجهات المانحة للموارد الوراثية.
أهمية موقع سوريا للموارد الوراثية

وبينت صالح أن سوريا تعد أحد أهم مراكز نشوء التنوع الحيوي، وأتاح موقعها أن تكون موطناً أصلياً للموارد الوراثية النباتية للقمح ولعدد من البقوليات، حيث استطاعت الموارد الوراثية البرية التكيّف مع البيئات المحلية لسنوات طويلة جداً أكسبها قدرة على مقاومة أو تحمل التغيرات المناخية والإجهادات الأحيائية، بفضل مخزونها الوراثي الواسع، على خلاف الأصناف المعتمدة ذات القاعدة الوراثية الضيقة التي تجعلها أكثر حساسية.
تحديات تواجه البنك الوراثي

وأوضحت صالح أن انتقال مركز البنك الرئيسي خلال عام 2012 من مقر هيئة البحوث الزراعية في مدينة دوما، وعدم توفر مكان مناسب أو ميزانية كافية كان من أبرز التحديات التي عرقلت عمل البنك في ذلك الوقت، حيث جرى نقل الجزء الأكبر من الموارد الوراثية إلى غرفة تبريد في مركز المكافحة الحيوية في مقر كلية الزراعة.
ووفق رئيسة قسم الأصول الوراثية في الهيئة، جرى الاحتفاظ بنسخة احتياطية قبل عام 2010 في مركز بحوث حلب، وفي عام 2018 أنشأت الهيئة غرفة تبريد متوسط في محطة بحوث الأبقار الشامية في دير حجر ونقلت الموارد الوراثية النباتية إليها، ثم إنشاء غرفة تبريد عميق عام 2021.

وأضافت صالح: إن من أبرز التحديات الحالية الحاجة إلى الدعم والتمويل اللازم لتطوير البنك الوراثي، خاصة بعد فقدان بعض المستلزمات نهاية عام 2024 نتيجة التعديات التي سببت أضراراً وتخريباً، ويجري العمل حالياً ضمن الإمكانات المتاحة للهيئة.
التعاون من “فاو” و”إيكاردا”

وأشارت صالح إلى وجود علاقة تشاركية مع منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “فاو” والمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة “إيكاردا”، اللذين شكلا جهات داعمة منذ بدء العمل بالأصول الوراثية في نهاية السبعينيات، من خلال برامج تعاون مشترك في جمع وتقييم وتوصيف الموارد الوراثية النباتية في سوريا، إضافة إلى تطوير الخبرات وتأهيل الكوادر السورية في هذا المجال.
وأكدت أن قسم الأصول الوراثية أرسل نحو 5400 عينة كنسخة احتياطية من الموارد الوراثية النباتية إلى (إيكاردا)، ضمن نظام الحفظ الآمن ” Black Box “، بما يتيح استرجاعها مباشرة عند الحاجة.

وأوضحت رئيسة قسم الأصول الوراثية أنه جرى تنفيذ مشروع مشترك مع الـ(فاو) و(إيكاردا) خلال الفترة 2021 – 2024 بهدف إعادة نشر السلالات المحلية من المحاصيل الرئيسة (قمح، شعير، حمص، فول، عدس)، وتوزيعها على المزارعين الأكثر تأثراً بالظروف الصعبة، جرى خلاله حفظ الموارد الوراثية النباتية للمحاصيل المستهدفة ضمن البنك الوراثي الوطني.
الخطط المستقبلية
يعمل البنك الوراثي على توسيع مجموعاته من خلال جمع الموارد الوراثية النباتية من مناطق لم تُستهدف خلال السنوات الماضية، خاصة في الشمال والشرق، حيث جرى مؤخراً جمع عينات من ريف إدلب.
ويعمل البنك الوراثي وفق صالح على توسيع مجموعاته من خلال جمع الموارد الوراثية النباتية من مناطق لم تُستهدف منذ عام 2012، ولاسيما من المناطق الشمالية والشرقية، إذ جرى العام الماضي جمع نحو 50 عينة من ريف إدلب، مبينة أن الهيئة تولي أهمية كبيرة لدعم البنك الوراثي الوطني باعتباره إرثاً وطنياً، والتعاون بين بحوث حماية التنوع الحيوي وتربية النبات للوصول إلى أصناف متحملة للإجهادات الأحيائية واللاأحيائية بما يسهم في التنمية الزراعية.
وتتركز خطة وزارة الزراعة الخمسية (2026- 2030) على زراعة أصناف محسنة عالية الغلة ومقاومة للجفاف والأمراض، وتطوير منظومة إنتاجية متكاملة تتكيف مع التغيرات المناخية وندرة المياه، بالتعاون مع المنظمات المحلية والدولية، كما تعمل الوزارة على إعادة تأهيل البنك الوراثي التابع لإيكاردا في حلب بالتعاون مع المنظمة، وتفعيل دور البنك الوراثي الوطني في سوريا بالشكل الأمثل بما يسهم في دعم القطاع الزراعي، وزيادة إنتاجية المحاصيل.
