دمشق-سانا
تتوقف زاوية قراءة تشكيلية الأسبوعية عند لوحة المرأة المجنحة للفنانة التشكيلية عتاب ناعم، حيث يحتل جسد أنثوي مجنح مركز المشهد، جالساً على الأرض بجناحين واسعين، فيما تقف إلى جانبه شخصية نسائية أصغر حجماً تبدو أقرب إلى التأمل والانكفاء.
وتتشكل من هذا التباين بين الكتلة الرئيسية والشخصية الثانية، وبين ثقل الجسد وإمكان التحليق، بنية بصرية تفتح العمل على قراءات تتصل بالحرية والقدرة على تجاوز القيود، وعلى الذاكرة الرمزية لصورة المرأة المجنحة في تاريخ الفن.
جسد يلامس الأرض وأجنحة تستدعي الحركة
تمنح ناعم الشخصية الجالسة مركز الثقل في اللوحة، فالجسد يحتل المساحة الأوسع، والرأس يميل نحو اليد في وضعية تحمل قدراً من السكون والتأمل، فيما تنسدل الأجنحة إلى جانبي الجسد من دون أن تكون في حالة طيران.
ويجعل هذا التكوين العلاقة بين الأرض والأجنحة أكثر تعقيداً من صورة مباشرة للانطلاق، ويمنح المشهد توتراً بين امتلاك القدرة على الحركة والبقاء في حالة ثبات.
وتدعم هذه المفارقة طريقة توزيع الكتل، حيث تحيط بالشخصية مساحات داكنة وخطوط هندسية تحدد أجزاء من المشهد، في مقابل مساحات ترابية وذهبية كثيفة الملمس، لتضيف الشخصية الواقفة في الطرف الأيمن مستوى آخر من المقارنة، فتبدو أصغر وأكثر خفة، فيما يحتفظ الجسد المجنح بالحضور الأقوى في التكوين.
الحرية في قراءة عبد القادر الخليل

يرى الفنان والناقد التشكيلي عبد القادر الخليل في تصريح لـ سانا في معرض تقييمه للمرأة المجنحة، أن اللوحة ترتبط مباشرة بفكرة الحرية، ويقول: “من خلال الرؤية المباشرة، تُمثل هذه اللوحة الحرية التي مُنعت عن المرأة خلال قرون وما زالت الكثير من النساء تبحثن عنها”.
ويربط الخليل صورة المرأة المجنحة بذاكرة أسطورية وفنية قديمة، مستحضراً نايكي، رمز النصر في الميثولوجيا اليونانية، التي جسدها الفن القديم في هيئة امرأة مجنحة ترمز إلى الظفر والانتصار.
ويمنح هذا الربط اللوحة امتداداً يتجاوز المشهد الآني نحو ذاكرة فنية ارتبطت فيها الأجنحة بالحركة والانتصار والسمو، في الوقت الذي تقدم فيه عتاب ناعم شخصيتها الرئيسية في حالة سكون، ما يخلق مسافة بين الدلالة التاريخية للرمز وصورته داخل العمل.
من الرمز التاريخي إلى المعنى الاجتماعي
يذهب الخليل في قراءته إلى الدلالة الاجتماعية للأجنحة في السياق الأنثوي، فيرى أن رمزية الأجنحة في السياق الأنثوي تتصل بمعاني الحرية والسمو والقوة، ويقول: “ترمز الأجنحة إلى التسامي فوق القيود الدنيوية والروتين والحياة المنزلية، للانطلاق نحو العالم الخارجي وتحقيق الذات”.
كما يربط صورة المرأة المجنحة بفكرة القوة والاستقلال، ويقول: “يمثل الجسد الأنثوي المجنح قوة لا تقهر، وانتصاراً على الشدائد، وروحاً تتمتع بالسيادة والاستقلال، وتشير إلى كسر الصورة النمطية التقليدية، على النقيض من الكائنات السلبية أو الزخرفية، فالمرأة المجنحة سيدة مصيرها، وبوسعها استكشاف آفاق جديدة وصياغة قصتها الخاصة دون قيود”.
ويمتد هذا المسار النقدي عند الخليل إلى نماذج أخرى من تاريخ الفن، ويضيف: “لو ننتقل إلى رؤية لوحة الحرية تقود الشعب للفنان الفرنسي يوجين ديلاكروا، نجد هناك أيضاً تجسيد شخصية أنثوية تشير إلى النضال الجماعي والحقوق الأساسية”.
ويتابع: “«بينما من جهة أخرى رأينا كيف أن الفنانة فريدا كاهلو صورت ألمها وجسدها وهويتها دون تجميل أو مواربة”.
أجنحة تحتفظ بذاكرتها
تجمع قراءة الخليل بين المرجع الأسطوري والمعنى الاجتماعي، بينما تتيح العناصر المرئية في لوحة ناعم إبقاء هذه الدلالات مفتوحة، فالأجنحة الكبيرة لا تقود الشخصية فعلياً إلى التحليق، والجسد يبقى قريباً من الأرض، والرأس المائل يضفي على المشهد حالة من التأمل أو الانتظار، ومن هذه المفارقة تتولد إحدى أكثر العلاقات البصرية حضوراً في العمل: القدرة على الطيران في مواجهة ثقل الجسد ومكانه.
كما أن اختلاف حجم الشخصيتين وموقعيهما يمنع المشهد من التحول إلى رمز منفرد، ويفتح مساحة للعلاقة بين حالتين أو تجربتين داخل اللوحة، من دون أن تقدم الفنانة سرداً مباشراً يحدد معناهما.
واختتم الخليل قراءته النقدية بالتأكيد على أن مرحلة ما بعد انتصار الثورة في سوريا تشهد طغياناً لافتاً للرموز والإشارات الفكرية والفنية التي تحاكي وتعانق المجتمع السوري بمختلف أطيافه وتكويناته، مشيراً إلى العمق الدلالي الذي يربط الإبداع التشكيلي بالواقع الاجتماعي المعاصر.
يذكر أن الفنانة التشكيلية السورية الدكتورة عتاب ناعم من مواليد عام 1978، وهي أستاذة جامعية في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وشاركت أعمالها في معارض داخل سوريا وخارجها، من بينها الولايات المتحدة وكندا وفرنسا ومصر ولبنان.