دمشق-سانا
تندرج رواية زوّار الفجر للأديب جمال المسالمة، الصادرة حديثاً عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، ضمن أدب السجون، إذ تستعيد عبر بناء روائي متخيل مرحلة من التاريخ السوري المعاصر، وتكشف آليات القمع والاستبداد وأثرهما في الإنسان والمجتمع.
وتتناول الرواية، الواقعة في 138 صفحة من القطع المتوسط، قضايا الاعتقال والاختفاء القسري والمحاكمات الصورية وما تتركه من ندوب في الأسر السورية، مع تأكيد الكاتب أن شخصياتها وأحداثها وأماكنها من نسج الخيال، وأن أي تشابه مع الواقع يندرج في إطار محاكاة المرحلة التاريخية.
رواية تكشف آليات الاستبداد
يرسم الكاتب في الرواية صورة الدكتاتور بوصفه محور منظومة سياسية وأمنية وإعلامية عملت على تحويل الفرد إلى مصدر للشرعية ورمز فوق مؤسسات الدولة، في مقابل تراجع دور القانون والمؤسسات.
وتبرز الرواية كيف أسهم التوسع الكبير في نفوذ الأجهزة الأمنية بإحكام السيطرة على المجتمع، ومنحها صلاحيات واسعة امتدت إلى مختلف مفاصل الدولة، وصولاً إلى مراقبة تفاصيل الحياة اليومية، في ظل منظومة اعتمدت الولاء السياسي معياراً لتولي المسؤوليات العامة.
المؤسسات بين الكفاءة والولاء
تتخذ الرواية من القرية نموذجاً مصغراً للمجتمع السوري، ومن المدرسة رمزاً لمؤسسات الدولة، لتكشف أثر تغليب الولاءات على الكفاءة والخبرة، وما ترتب على ذلك من تهميش أصحاب الكفاءات وهجرتهم، مقابل صعود شخصيات انتهازية استفادت من بنية النظام القائم آنذاك.
كما تتناول الرواية دور الأجهزة الأمنية في تأجيج الانقسامات الاجتماعية، بما أدى إلى إضعاف النسيج المجتمعي.
السجن يبتلع أحلام العائلات
تشكل تجربة الاعتقال المحور الرئيس في الرواية، حيث توثق أساليب التعذيب الممنهج، والابتزاز الذي تعرضت له أسر المعتقلين، إلى جانب المحاكمات الصورية التي انتهت بإصدار أحكام قاسية بحق المعتقلين، فضلاً عن تسليط الضوء على معاناة النساء المعتقلات وما رافقها من وصمة اجتماعية، ومأساة الأطفال الذين وجدوا أنفسهم داخل دوامة الاعتقال والاختفاء.
ويتابع العمل مصير بطل الرواية “خالد”، الذي يعود إلى وطنه مدفوعاً بالحنين، قبل أن يجد نفسه وعائلته في مواجهة الاعتقال والتعذيب، في مسار سردي يبرز الآثار النفسية والإنسانية التي خلفتها تلك التجارب على الأفراد والأسر.
ومن أبرز القضايا التي تتناولها الرواية ظاهرة اختفاء الأطفال الذين كانوا برفقة ذويهم المعتقلين، وما ترتب عليها من مآسٍ إنسانية، إلى جانب توثيق عمليات القتل تحت التعذيب، وإبراز المحاكمات التي افتقدت إلى معايير العدالة، في إطار رؤية روائية تجعل من الإنسان محوراً للسرد، ومن الكرامة الإنسانية القضية المركزية للعمل.
السرد يفضح وجوه الاستبداد
أكد الأديب جمال المسالمة، في تصريح لـ سانا، أن رواية “زوّار الفجر” تسلط الضوء على شخصية الدكتاتور، والانتشار السرطاني للأجهزة الأمنية التي سخرت لتمجيده وسحق الشعب واستعباد الناس.
وأضاف: “يفضح العمل التعذيب الممنهج في سجون الطاغية، والمحاكمات الصورية في محاكم الإرهاب التي أزهقت أرواح مئات آلاف الأبرياء، كما يتطرق إلى ظاهرة اختفاء أطفال كانوا برفقة ذويهم في السجون”.
ويعد أدب السجون أحد أبرز الاتجاهات في الأدب العربي المعاصر، إذ يعالج تجارب الاعتقال والقمع وآثارها الإنسانية والاجتماعية، مستنداً إلى السرد الروائي في توثيق التحولات السياسية وانعكاساتها على الفرد والمجتمع.
وتأتي رواية “زوّار الفجر” ضمن هذا السياق، مقدمة رؤية أدبية تستند إلى التخييل الفني لاستحضار مرحلة تاريخية، ومناقشة قضايا الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، عبر شخصيات وأحداث صيغت في إطار روائي.