دمشق-سانا
يرى الشاعر السوري مصعب بيروتية أن الشعر ما يزال قادراً على التأثير رغم تغير وسائل التعبير، مؤكداً أن القصيدة الحقيقية تستمد قوتها من صدق التجربة، وأن مسؤولية الشاعر اليوم تتمثل في الحفاظ على أصالة الشعر العربي وتقديمه بلغة تلامس الإنسان المعاصر.

وفي حوار مع سانا الثقافية، تحدث بيروتية عن بداياته مع الشعر، وتأثير البيئة السورية في تكوين تجربته، ومحطات فوزه بالجوائز العربية، وتجربته في برنامج “أمير الشعراء”، وانتقاله إلى أدب الأطفال، إضافة إلى مشاريعه الأدبية ورؤيته لمستقبل الشعر.
البدايات… من موهبة الطفولة إلى مشروع إبداعي
استعاد بيروتية بداياته مع الشعر، موضحاً أن أولى محاولاته كانت في سنوات الطفولة متأثراً بالقصائد التي كان يدرسها في المدرسة، قبل أن يكتشف معلم اللغة العربية موهبته ويشجعه على تنميتها.
وقال: “إدراكي الحقيقي أن الكتابة ستكون مشروعي الإبداعي، جاء خلال سنوات الجامعة، حين بدأت أشارك في المسابقات الأدبية وأفوز بجوائزها، عندها شعرت أن ما أكتبه ليس مجرد هواية، بل تجربة تتطور، وصوتاً شعرياً يفرض حضوره”.
القرآن الكريم والبيئة السورية.. رافدان لتجربته
كان للبيئة السورية أثر عميق في تشكيل رؤيته الشعرية، مشيراً إلى أن نشأته في الساحل قرب البحر، إلى جانب اهتمام محيطه باللغة العربية، أسهما في صقل تجربته.
وأضاف: “لا أستطيع أن أغفل أثر القرآن الكريم، فكان وما يزال من أهم المصادر التي غذّت ذائقتي اللغوية والإيقاعية، وأسهمت في ترسيخ علاقتي باللغة العربية”.
الحرية والغربة… أبرز محاور القصيدة
أوضح بيروتية أن موضوعات قصيدته تطورت مع مراحل حياته، مبيناً أن البدايات اتسمت بالحلم والتفاؤل، قبل أن تشكل الثورة السورية محطة مفصلية انعكست في نصوصه التي تناولت الحرية والإنسان.
وقال: “أما اليوم، أصبحت الغربة واحدة من أبرز الموضوعات التي تشغلني… فأصبحت أكثر انشغالاً بالإنسان، والذاكرة، والوطن، وما يتركه الزمن في أرواحنا”.
من مراوغة الظل إلى ملامسة الريح
تحدث بيروتية عن ديوانه “كنت أراوغ ظلي”، الفائز بجائزة الشارقة للإبداع العربي 2015، واصفاً إياه بأنه يمثل مرحلة إنسانية وفكرية خاصة في حياته، ومنحه دافعاً وثقة للاستمرار، موضحاً أن الديوان كان انعكاساً صادقاً لتجربته الشخصية ومحاولاته للتصالح مع أسئلته الداخلية، وهو ما أسهم في وصوله إلى القارئ بصدق.
وعن ديوانه “ألمس الريح”، أوضح أن الريح ترمز لديه إلى الحركة والطموح والإصرار، مشيراً إلى أنه استلهم فكرته من قناعته بأن كل إنجاز يحتاج إلى قوة تدفعه إلى الأمام، لذلك سعى إلى تجسيد هذا المعنى شعرياً، معبّراً عن إيمانه بأن تحقيق الطموح لا يكون إلا لمن يملك الجرأة على ملامسة الريح.
الشعر بين الأصالة وصدق التجربة
رأى بيروتية أن الشعر، رغم تراجع حضوره الجماهيري مقارنةً بالماضي، لم يفقد قيمته، مؤكداً أن الشاعر الحقيقي ما يزال قادراً على ترك أثر عميق، وأن القصيدة تظل قادرة على مواكبة العصر والتجدد إذا حافظت على أصالتها وطوّرت أدواتها الفنية.
وأكد أن التجربة الشخصية هي المنبع الحقيقي للنص الشعري، إذ تتحول تفاصيل حياة الشاعر إلى تجربة إنسانية مشتركة يجد القارئ نفسه فيها، مشيراً إلى أن صدق التجربة هو العنصر الأهم الذي يمنح القصيدة حياتها وقدرتها على ملامسة القلوب.
وأشار بيروتية إلى أنه يعمل على تقديم تجربة شعرية متجددة تحافظ على أصالة الشعر العربي وتقترب في الوقت نفسه من هموم الإنسان المعاصر.
أدب الأطفال… كتابة أكثر صعوبة
وحول انتقاله إلى أدب الأطفال، أوضح أن تجربته الطويلة في التعليم قربته من عالم الطفل، الأمر الذي انعكس على كتاباته، وجعله يجد أن أدب الطفل ينبغي أن يجمع بين المتعة والقيمة التربوية واللغوية، وأن يواكب اهتمامات الأطفال في العصر الحالي.
ووجد بيروتية أن الكتابة للكبار تمنح الشاعر مساحة أوسع للتعبير، أما الكتابة للطفل فهي أكثر صعوبة، لأنها تتطلب أن تصل إلى عقل الطفل وقلبه في الوقت نفسه، بلغة بسيطة، دون أن تتنازل عن القيمة الجمالية للنص.
الجوائز والمنابر… بوابة إلى الجمهور
رأى بيروتية أن الجوائز الأدبية تمثل حافزاً أساسياً للمبدعين الشباب، إذ تمنحهم الثقة والاعتراف بقيمة تجاربهم، وتشجعهم على تطوير أدواتهم وتجديد أساليبهم الإبداعية.
ووصف مشاركته في برنامج “أمير الشعراء” 2015 بأنها محطة مفصلية في مسيرته، لما أتاحته من احتكاك بتجارب شعرية عربية متنوعة والوصول إلى جمهور واسع، مشيراً إلى أن التحدي الأكبر في المنافسات يتمثل في الحفاظ على الهوية الفنية للشاعر مع تحقيق التوازن بين تطلعات النقاد وتوقعات الجمهور.
رسالة إلى الجيل الجديد
وجه بيروتية رسالة إلى الشعراء الشباب دعاهم فيها إلى الصبر والقراءة المستمرة، قائلاً: “الوصول إلى المنصات الكبرى لا يأتي صدفة، بل هو ثمرة سنوات من القراءة والكتابة والتطوير المستمر”.
وعن رؤيته لمستقبله الأدبي، قال بيروتية: “أطمح إلى أن يُقرأ اسمي بوصفه شاعراً حاول أن يضيف شيئاً جديداً إلى الشعر العربي، وأن يحافظ في الوقت نفسه على أصالته وجماله، وأرجو أن يكون لي صوت شعري مختلف، وأن أترك بصمة مميزة في سجل الأدب العربي”.
ومصعب بيروتية شاعر سوري من مواليد 1986، تخرّج من كلية الآداب قسم اللغة العريية في جامعة اللاذقية، وحصد جائزة الشارقة للإبداع العربي مرتين، عام 2015 عن ديوانه كنت أراوغ ظلي، وعام 2020 عن كتاب الأطفال أرسم أحلاماً، كما نال جائزة خليفة التربوية لعام 2025، وتأهل إلى نهائيات برنامج أمير الشعراء، وأصدر ثلاثة دواوين شعرية، ويجمع في تجربته بين الشعر وأدب الأطفال والتعليم، في إطار رؤية تمزج بين الأصالة والتجديد.