دمشق-سانا
تستعيد شجرة الزيتون حضورها بوصفها رمزاً للأرض والهوية والعطاء والصمود، في معرض الفنانة التشكيلية زمزم تيسير الحاج “الزيتون المبارك”، والذي يجمع بين التشكيل والذاكرة الثقافية، بحضور شخصيات فنية ونسائية من سوريا والأردن.
ويقدم المعرض الذي احتضنته صالة الشعب بدمشق اليوم الخميس، مجموعة من الأعمال التي تستلهم شجرة الزيتون بوصفها أكثر من عنصر طبيعي؛ فهي في التجربة البصرية للفنانة ذاكرة مكان، وعلامة على التجذر والانتماء، ومدخل إلى استحضار علاقة الإنسان بأرضه وما تختزنه من حكايات وقيم متوارثة.
الزيتون.. ذاكرة تتشكل بالألوان
اختارت “الحاج” الزيتون محوراً لتجربتها، انطلاقاً من حضوره العميق في الثقافة السورية والعربية، وما يحمله من دلالات تتصل بالأرض والعطاء والاستدامة والسلام.

وحاولت الفنانة عبر اللون والخط والتكوين تحويل الشجرة إلى خطاب بصري يستحضر الإنسان المرتبط بها، ولا سيما المرأة الريفية التي ارتبط عملها تاريخياً بزراعة الزيتون وقطافه وإنتاج زيته، لتصبح اللوحة مساحة للتعبير عن العمل والصبر والاستمرار.
وتقول الحاج، في تصريح لـ«سانا»: إن المعرض يأتي بوصفه “تجسيداً بصرياً وثقافياً لعلاقة الإنسان بأرضه وشجرته المباركة”، معتبرة أن شجرة الزيتون تمثل رمزاً متجذراً في الهوية والثقافة والتاريخ المشترك لبلاد المنطقة، وانعكاساً للارتباط الروحي والمكاني بالأرض.
وتضيف أن الزيتون وزيته يحملان معاني السلام والاستدامة والعطاء المستمر والصمود، وهي قيم تسعى إلى ترجمتها عبر اللوحة والألوان، “من خلال ريشة تربت على حب سوريا مهد الزيتون”.
المرأة.. شريك في ذاكرة الزيتون
يحضر البعد النسائي في المعرض من خلال ارتباط الفنانة بالشبكة النسائية السورية والدولية لزيت الزيتون، إذ تسعى التجربة إلى تسليط الضوء على المرأة الريفية والمنتجة، ودورها في الحفاظ على دورة الحياة المرتبطة بهذه الشجرة.

وترى “الحاج” أن الفن يمكن أن يكون صوتاً يعبر عن جهود المرأة العاملة والمبدعة، وأن اللوحة قادرة على نقل هذه التجربة من المجال الزراعي والاقتصادي إلى المجال الثقافي، بما يضيء جوانب إنسانية واجتماعية غالباً ما تبقى بعيدة عن التناول الفني.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة مع حضور الوفد النسائي الأردني، الذي يعكس، بحسب “الحاج”، تقديراً للجهود الفنية والثقافية المرتبطة بقطاع الزيتون، ويفتح المجال أمام مزيد من الشراكات بين الشبكات النسائية في سوريا والأردن.
وكانت “الحاج” قد شاركت سابقاً في فعاليات مرتبطة بالزيتون في الأردن، بصفتها ممثلة للشبكة النسائية السورية وعضواً في الشبكة النسائية العربية لزيت الزيتون، ما يعكس امتداد تجربتها الفنية إلى فضاء ثقافي يتقاطع فيه الفن مع التراث والزراعة وتمكين المرأة.
من الشجرة إلى الثقافة المشتركة
لم يقتصر حضور الزيتون في المعرض على اللوحات، بل تحول إلى مساحة للحوار حول المشترك الثقافي بين سوريا والأردن، باعتباره جزءاً من الذاكرة الريفية والاجتماعية في البلدين.

وفي هذا السياق، تحدثت الدكتورة إلهام أحمد الكركي، الناقدة والمدرسة في الجامعة الأردنية والمتخصصة في اللغة والبلاغة، لـ”سانا” عن سعادتها بوجودها في سوريا ومشاركتها في المعرض، مشيرة إلى أنها عملت في الأردن على إعداد مسرحية تربط بين الزيتون وأصالة اللغة العربية، موجهة للأطفال.
وأوضحت الكركي أنها تسعى من خلال العمل المسرحي، إلى غرس محبة الزيتون في نفوس الأطفال منذ الصغر، مؤكدة أن الجمع بين الثقافة والفن والتراث الزراعي يمكن أن يفتح مساحات جديدة للتواصل بين الأجيال.
الزيتون في الوجدان السوري
من جهته أشار محمد صبحي السيد يحيى رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين في سوريا، إلى المكانة الخاصة التي تحتلها شجرة الزيتون في الوجدان السوري، مستشهداً بقوله تعالى: “والتين والزيتون، وطور سينين” وما ارتبط بهذه الشجرة من معانٍ دينية وثقافية وشعبية.

وأوضح أن الزيتون حاضر في تفاصيل الحياة اليومية للسوريين، من الغذاء والزيت إلى الصناعات التقليدية، ومنها صناعة الصابون الحلبي، فضلاً عن ارتباطه بالأرض والعمل الريفي.
وأشار إلى أن شجرة الزيتون تغطي مساحات واسعة من الأراضي السورية، ولا سيما في إدلب وريف حلب وحماة ومناطق أخرى، لتشكل جزءاً من المشهد الزراعي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد.
الفن جسرٌ بين الأرض والإنسان
تسعى تجربة “الزيتون المبارك” إلى نقل الشجرة من صورتها الطبيعية إلى فضاء رمزي أوسع، بحيث تصبح اللوحة شاهدة على علاقة الإنسان بالأرض، وعلى قيم الاستمرار والتجذر والعمل.
كما يكتسب المعرض أهميته من الجمع بين الفن التشكيلي والتعاون الثقافي النسائي السوري الأردني، بما يرسخ حضور الفنون بوصفها وسيلة للتقارب والحوار، ويمنح التراث الزراعي، وفي مقدمته الزيتون، قراءة إبداعية تتجاوز وظيفته الاقتصادية إلى أبعاده الإنسانية والثقافية.
وبذلك تتحول شجرة الزيتون في أعمال زمزم الحاج من موضوع تشكيلي إلى ذاكرة بصرية مفتوحة، تستحضر الأرض وأهلها، وتمنح اللون وظيفة تتجاوز الجمال إلى التعبير عن الهوية والانتماء والصمود.








