دمشق-سانا
استضافت المكتبة الوطنية السورية بدمشق مساء اليوم الأربعاء محاضرة بعنوان “معجم الدوحة التاريخي للغة العربية.. هدية قطر للأمة”، قدّمها عضو المجلس العلمي للمعجم الدكتور محمد حسان الطيّان، تناول فيها أهمية هذا المشروع بوصفه عملاً علمياً عربياً واسعاً يوثّق تاريخ الكلمة العربية وتطور دلالاتها، ويتيح للباحثين آفاقاً جديدة في الدراسات اللغوية والمعجمية.
توثيق الكلمة عبر العصور
وبيّن الطيّان أن المعجم يمثل مشروعاً نهضوياً عظيماً، فهو مشروع أمة وذاكرة كلماتها، إذ يرصد تاريخ الكلمة العربية منذ ولادتها، ويتابع نشأتها وتطور دلالاتها عبر العصور، بالاعتماد على النصوص والشواهد والسياقات المختلفة، ويعيد المعجم الكلمات إلى أصولها تأثيلاً وتأصيلاً، ويوازن بينها وبين نظائرها في اللغات السامية، كما يحدد ما أصبح منها مصطلحاً علمياً في مجالات الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء، مستفيداً من خبرة نخبة من المختصين بالمصطلح.
مليار كلمة و500 باحث
ولفت الطيّان إلى حجم الجهد العلمي الكبير الذي بذل في إنجاز المعجم، إذ شارك فيه نحو 500 باحث من علماء العربية، وتجاوزت مدونته مليار كلمة تغطي ما يقارب عشرين قرناً، من القرن الخامس قبل الهجرة إلى القرن الخامس عشر الهجري، اعتماداً على نحو 10 آلاف مصدر، وبلغ عدد المداخل المعجمية نحو 300 ألف مدخل، والجذور نحو 10 آلاف جذر.
واستغرق إنجاز المشروع 13 عاماً بين عامي 2013 و2025، بمشاركة مجلس علمي ضم نخبة من علماء العربية من مختلف أقطار الوطن العربي، وكان الطيّان ممثلاً لسوريا فيه، وتُوّج اكتمال المشروع باحتفال رسمي أقيم في الدوحة في 22 كانون الأول 2025 بحضور أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي كرّم أعضاء المجلس العلمي والخبراء والباحثين والمحررين العاملين في المشروع.
نشر رقمي قابل للتطوير
وبيّن الطيّان أن المعجم التاريخي يختلف عن المعاجم التقليدية في منهجه، إذ يستخرج مفرداته من مختلف نصوص العربية: القرآن، الحديث، الشعر، النثر، الأخبار، الأمثال، الحكم، الموضوعات العلمية، الحوارات، القصص، والمسرحيات، وتخضع كل كلمة لمعالجة علمية دقيقة تشمل تحديد الجذر والفرع والوسم والتاريخ والتعريف والشاهد وتوثيقه، بما يسمح برصد التحولات التي طرأت على معانيها عبر العصور.
وأوضح أن القائمين على المشروع حرصوا على إتاحة المعجم رقمياً عبر موقعه الإلكتروني قبل استكمال طباعته الورقية التي يُقدّر أن تبلغ نحو 130 مجلداً، بما يتيح للباحثين الاستدراك والتصحيح وإعادة النظر في المواد المعجمية، ويسهم في تطوير المشروع والارتقاء به باستمرار، كما يفتح المعجم آفاقاً واسعة للبحث اللغوي، من استدراك الألفاظ التي لم ترد في المعجمات العربية، واستدراك آلاف المعاني، وتصحيح بعض الأحكام اللغوية، وتفصيح العامي، وإحياء ألفاظ كان يُظن أنها ماتت، ما يجعله قاعدة معرفية تمتد منها دراسات ومعاجم متخصصة.
وأشار الطيّان إلى أن من ثمار المشروع ظهور أعمال معجمية جديدة، منها معجم اشتقاقي بعنوان “أعضاء الجسم مصدراً للاشتقاق” للدكتور رشيد بلحبيب والدكتور مهدي عرار، يقع في مجلدين ويضم أكثر من 150 عضواً من أعضاء الجسم، مؤكداً أن المعجم التاريخي ليس منجزاً مغلقاً، بل أساس لمشروعات لغوية ومعجمية مستقبلية.
وتأتي المحاضرة ضمن برنامج ثقافي واسع للمكتبة الوطنية التي تستضيف ندوات وملتقيات ومسابقات ومعارض تعزّز حضورها بوصفها مساحة للبحث والحوار الثقافي، وربط المعرفة التراثية واللغوية بقضايا الثقافة المعاصرة.
يشار إلى أن الدكتور محمد حسان الطيّان من أبرز الباحثين السوريين في اللغة العربية، وله أكثر من 30 كتاباً ومئات المشاركات العلمية.





