دمشق-سانا
بين صوت المكوك المتحرك فوق النول، ولمعان خيوط الحرير المتشابكة، تتشكل أمام زوار معرض ناس تكس حكايات من الذاكرة السورية، ترويها أيادي حرفيين لا يزالون يتمسكون بمهن توارثتها الأجيال، ويسعون إلى حمايتها من الاندثار وتحويلها في الوقت نفسه إلى مصدر للعمل والإنتاج.
ويستعرض جناح وزارة الثقافة السورية، ضمن المعرض المقام على أرض مدينة المعارض بدمشق، نماذج من الحرف التي تجمع بين الفن والصناعة اليدوية، وتربط صون الهوية الثقافية السورية باستدامة التراث اللامادي وتمكين المجتمعات المحلية اقتصادياً.
البروكار يروي ذاكرة دمشق

يستحضر ركن حرفة النول جانباً من ذاكرة دمشق الحرفية، من خلال عرض مراحل صناعة البروكار الدمشقي ونقوشه المستوحاة من الياسمين وورق العنب والفراشات والبيوت الدمشقية القديمة.
وأمام نول تتداخل فيه آلاف الخيوط، يواصل الحرفي محمد الشماع، أحد آخر المشتغلين بهذه الحرفة، عملاً يحتاج إلى كثير من الصبر والدقة والجهد المتواصل.
وأوضح الشماع لسانا الثقافية أن إعداد النول للإنتاج يستغرق نحو شهر كامل، بدءاً من تسدية الخيوط وإدخالها في الإبر، وصولاً إلى تجهيز النقشات، فيما قد يحتاج إنتاج متر واحد من البروكار متعدد الألوان إلى يومين من العمل الدقيق والمتواصل.
ولا تكمن صعوبة الحرفة في الوقت الطويل الذي تتطلبه فقط، إذ تواجه، بحسب الشماع، تحديات عدة، أبرزها ندرة الحرير والمواد الأولية وارتفاع تكاليفها، إضافة إلى عزوف الشباب عن تعلم مهنة تحتاج إلى الصبر والدقة والجهد العضلي.
وأكد الشماع أن استمرار تشغيل النول لا يعني الحفاظ على أداة إنتاج فحسب، بل حماية موروث حرفي قديم، ونقل خبراته إلى أجيال جديدة قادرة على إبقائه حياً.
بدوره، أشار المدير التنفيذي لجمعية الصخرة عمار حنا إلى أن الجمعية، التي تأسست عام 2014، تبنت مشروعاً لحماية التراث الدمشقي، وأعادت تشغيل نول يدوي يضم 7200 خيط موزعة على العدد ذاته من الإبر.
وأوضح حنا أن المشروع لا يقتصر على إعادة تشغيل النول، بل يشمل تدريب جيل جديد من الحرفيين، وتقديم منتجات البروكار بصيغ فنية معاصرة تلائم احتياجات السوق، على أن يخصص ريعها لدعم طلاب المدارس والجامعات.
وتشكل هذه الخطوات محاولة للجمع بين حماية الحرفة وإيجاد مسار اقتصادي يساعدها على الاستمرار، من خلال التدريب والتطوير والتسويق، بدلاً من الاكتفاء بعرضها بوصفها جزءاً من الماضي.
من الحرير إلى الصوف
من نقوش الياسمين والبيوت الدمشقية المنسوجة بخيوط الحرير، ينتقل زائر الجناح إلى ألوان الصوف ونقوش الصحراء، حيث يعكس ركن مبادرة نول البادية جانباً من التراث التدمري، عبر منتجات يدوية تجمع بين أصالة الحرفة واحتياجات الحياة المعاصرة.

وتستلهم القطع المعروضة ألوان البادية ونقوشها، لتقدم حرفة تشكل ذاكرة ثقافية قابلة للتجدد، ومصدراً يمكن أن يسهم في تحسين الظروف الاقتصادية للنساء العاملات فيها.
وأكدت مؤسستا المبادرة لاريسا لافنتوس وماجدا بانتيليدو أن المشروع يهدف إلى تمكين نساء تدمر اقتصادياً، ومساعدتهن على تأمين مصدر دخل، بالتوازي مع إحياء التراث الثقافي المرتبط ببيئتهن.
ورأتا أن المشاركة في المعرض تمثل فرصة للتعريف بمهارات النساء، وتسويق منتجاتهن، وبناء روابط مع منتجي الخيوط والمواد الأولية، بما يساعد على استدامة العمل وتوسيع فرص الإنتاج.
من جهتها، قالت النسّاجة والمدرّبة هاجر الشافي: إن نول البادية من المهن التراثية الضاربة في القدم، إلا أن عدداً محدوداً من الحرفيين لا يزال يمارسها، ما يجعل تدريب جيل جديد ضرورة لضمان استمرارها وحماية خصوصيتها المرتبطة ببيئة تدمر.
وأوضحت أن العمل يبدأ بتسدية النول بخيوط القطن الطبيعي، ثم إعداد خيوط اللحمة من صوف الأغنام بعد غزله وصباغته، قبل نسجها يدوياً لإنتاج البسط والسجاد والخيام والحقائب وأغطية الطاولات.
وتحتاج كل قطعة، وفق الشافي، إلى دقة وصبر ووقت طويل، إذ تمر الخيوط بمراحل متعددة قبل أن تتحول إلى منتج يحمل ملامح البادية وألوانها، ويجمع بين الوظيفة العملية والقيمة الجمالية.
نساء ينسجن فرصاً جديدة
يمتد أثر المبادرة إلى بناء خبرات جديدة لدى نساء تدمر، وفتح المجال أمامهن للمشاركة في الإنتاج وتحقيق مورد اقتصادي أكثر استدامة.
وبيّنت الحرفية فاطمة الصالح أنها درّبت مجموعة من سيدات تدمر على فن العقد، وأسهمن بصورة جماعية في إنتاج القطع المعروضة، في تجربة تقوم على تبادل الخبرة والعمل التشاركي.
وتسعى المبادرة، من خلال هذا النموذج، إلى توفير فرص عمل مستدامة للنساء بإدارة تشاركية، ودعم وصولهن إلى التعافي الاقتصادي، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية للحرفة ونقلها إلى جيل جديد.
وتأتي مشاركة وزارة الثقافة ضمن فعاليات معرض سوريا الدولي للنسيج «ناس تكس 2026»، الذي تنظمه مجموعة ناس تكس في مدينة المعارض الجديدة بدمشق، في الفترة بين 18 و21 تموز الجاري، كترجمة حية لجهودها المستمرة في صون التراث الثقافي السوري غير المادي.





