دمشق-سانا
قبل أن يبدأ رحلته إلى صالات السينما في 17 من تموز الجاري، نجح فيلم الأوديسة للمخرج البريطاني كريستوفر نولان، في إثارة عاصفة من النقاش الثقافي والفني، ليس لأنه عمله الجديد بعد النجاح الكبير لفيلمه أوبنهايمر فحسب، بل باعتباره محاولة جديدة لإعادة قراءة واحدة من أقدم الملاحم الإغريقية وأكثرها حضوراً في الذاكرة الإنسانية.
الفيلم، المستند إلى ملحمة هوميروس الشهيرة، يتتبع رحلة أوديسيوس الطويلة نحو إيثاكا بعد حرب طروادة، في حكاية تجمع التيه والحنين والبطولة والاختبار الإنساني، غير أن نولان، كما تشير قراءة نشرتها صحيفة يو إس إيه توداي، استناداً إلى مقابلة معه حول الفيلم، لا يقترب من النص القديم بوصفه وثيقة أثرية مغلقة، بل يقدمه ضمن رؤية سينمائية معاصرة تقوم على الصورة الواسعة، واللغة المباشرة، والقراءة الحرة للشخصيات الأسطورية.
جدل الهوية والتمثيل يسبق انطلاقة الأوديسة
أحاط بالفيلم الكثير من الجدل قبل عرضه، فقد رأت هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، أن بعض المتابعين توقفوا عند اختيارات التمثيل في الفيلم، ولا سيما إسناد أدوار إلى أسماء غير متوقعة ضمن عالم الملحمة الإغريقية، بما فتح الباب أمام أسئلة تتعلق بالهوية والتمثيل والتنوع في السينما العالمية، بينما اعتبر آخرون أن الأعمال الأسطورية، بطبيعتها، قابلة لإعادة التخييل، وأنها عاشت عبر القرون لأنها لم تبق حبيسة قراءة واحدة أو شكل واحد.
وتوسع النقاش ليشمل حضور الممثلين اليونانيين في عمل يستند إلى أحد أبرز النصوص المؤسسة للأدب الإغريقي، إذ ذهب الصحفي البريطاني من أصول يونانية كريس كوتونو، في مقال نشرته صحيفة الغارديان، إلى أن الفيلم كان قادراً على منح مساحة أكبر لأصوات تنتمي إلى الجغرافيا الثقافية التي ولدت منها الملحمة، أي يقصد الاستعانة بممثلين يونانيين.
في المقابل، رأى مدافعون عن خيار نولان أن السينما لا تعيد إنتاج الأصل بقدر ما تبني عالماً فنياً مستقلاً، وأن معيار الحكم يجب أن يكون في قدرة الفيلم على إحياء الأسطورة لا في مطابقته الحرفية لها.
لغة معاصرة لسرد ملحمي
أما اللغة، فكانت واحدة من أبرز نقاط السجال، فاختيار الحوار بالإنجليزية المعاصرة، وبلكنات أمريكية لدى عدد من الشخصيات، بدا للبعض خروجاً عن المألوف في أفلام الملاحم التاريخية التي اعتادت أن تمنح اللكنة البريطانية سلطة كلاسيكية مصطنعة.
غير أن هذا الخيار يمكن قراءته، في المقابل، بوصفه محاولة لنزع الفخامة اللفظية عن النص القديم، وتقريب أبطاله من المتفرج المعاصر، بحيث تبدو الميثولوجيا بحكاية إنسانية مفتوحة على أسئلة الفقد والعودة والسلطة والخلاص.
وفي هذا السياق نقل موقع فارايتي عن نولان دفاعه عن خيار اللغة واللكنة في الفيلم، معتبراً أن المعالجة الحديثة للحوار جزء من رؤيته لتقديم الملحمة بروح قريبة من الجمهور الحالي.
صورة بصرية تثير سؤال الأصالة
لم تقف الملاحظات عند الأداء واللغة، بل وصلت إلى التصميم الفني، حيث توقف بعض المتابعين، وفق ما أوردت بي بي سي، عند شكل الدروع والسفن والأزياء، معتبرين أن بعضها يستدعي عوالم بصرية أقرب إلى أفلام الفانتازيا والبطولة الحديثة منها إلى التخيل الكلاسيكي لليونان القديمة.
إلا أن هذا الاعتراض يعيد بدوره طرح السؤال الأوسع: هل المطلوب من السينما التاريخية والأسطورية أن تطابق الماضي كما نتخيله، أم أن تخلق صورة جديدة قادرة على إثارة الدهشة وإعادة فتح النص أمام جمهور مختلف؟
إشادات أولى بصورة نولان
في المقابل، جاءت ردود الفعل النقدية الأولى بعد العرض الأول للفيلم يوم الإثنين الماضي، مشيدة بحجم التجربة البصرية، وبقدرة نولان على بناء عالم واسع يستثمر تقنيات العرض الكبرى، ولا سيما التصوير بكاميرات آيماكس، بما ينسجم مع طموح المخرج المعروف في تحويل الصورة إلى تجربة حسية كاملة.
وذكرت صحيفة الغارديان أن عدداً من الانطباعات النقدية الأولى توقف عند أداء مات ديمون في شخصية أوديسيوس، وحضور روبرت باتينسون في دور أنتينوس، إضافة إلى مشاركة آن هاثاواي وتوم هولاند وتشارليز ثيرون ضمن طاقم تمثيلي واسع.
وبين من يرى في الأوديسة مغامرة فنية جريئة، ومن يتعامل معها بحذر بوصفها إعادة صياغة قد تبتعد عن روح الأصل، يبدو أن فيلم نولان نجح قبل عرضه في الخروج من حدود الشاشة إلى فضاء النقاش العام، مثيراً سؤالاً أوسع حول مكانة الأسطورة في عصر الصورة، وحق السينما في محاورة النصوص المؤسسة ومنح الحكايات القديمة حياة جديدة دون أن تفقد جوهرها.