باريس-سانا
بعد أيام من إسدال الستار على فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان “كان” السينمائي الدولي، تتواصل في الأوساط النقدية والصحافة الفنية العالمية قراءات متعمقة لحصيلة العروض والجوائز، في دورة بدت، وفق توصيفات متعددة، واحدةً من أكثر الدورات إثارة للجدل من حيث النتائج، وتوزيع التتويجات، وتباين التقييمات النقدية للأفلام المشاركة.
وفي سياقٍ يتّسم بتصاعد الاهتمام العالمي بالتحولات التي يشهدها المشهد السينمائي الدولي، جاءت دورة مهرجان “كان” 2026 لتؤكد مرة أخرى مكانتها كمنصة مركزية لعرض أحدث التجارب الإبداعية وأكثرها جرأة، حيث لم تقتصر فعالياتها على تقديم أعمال سينمائية متنوعة من مختلف القارات، بل شكلت أيضاً مساحة مفتوحة لقراءات نقدية متباينة عكست عمق التنافس الفني واحتدام النقاش حول اتجاهات السينما المعاصرة.
تنوع فني وهيمنة أوروبية
بحسب تقارير صحفية لموقع Vanity Fair، المتخصص في الشأن السينمائي، فقد ضمت المسابقة الرسمية للدورة نحو 22 فيلماً تنافست على جائزة السعفة الذهبية، إلى جانب عروض أخرى في أقسام موازية، ضمن برنامج واسع عكس تنوعاً في المدارس السينمائية، مع حضور لافت للأفلام الأوروبية، ولا سيما الفرنسية منها، التي شكلت النسبة الأكبر من المشاركات في المسابقة الرسمية.
وتشير المعطيات التي رافقت تغطيات المهرجان إلى أن عدداً كبيراً من الأفلام المشاركة حمل توقيع مخرجين ينتمون إلى تيار السينما المؤلف، مع تركيز واضح على الدراما الإنسانية والأفلام ذات الطابع السياسي والاجتماعي والنفسي، مقابل حضور أقل للأعمال التجارية أو الإنتاجات الهوليوودية التقليدية، التي اقتصرت غالباً على أفلام مستقلة أو خارج إطار الاستوديوهات الكبرى.
توزيع الجوائز والمناصفة
على مستوى الجوائز، حملت النتائج النهائية للمهرجان وفق موقع Vogue، وهو النسخة الإلكترونية لمجلة Vogue العالمية، مفاجآت لافتة في نظر عدد من النقاد، إذ ذهبت السعفة الذهبية إلى فيلم “فيورد” للمخرج الروماني كريستيان مونجيو، فيما نال فيلم “مينوتور” الجائزة الكبرى، في حين توزعت بقية الجوائز الرئيسية على عدد من الأعمال التي شاركت في المسابقة الرسمية، وسط ملاحظة بارزة تمثلت في ارتفاع عدد الجوائز الممنوحة مناصفة، سواء في فئتي الإخراج أو الأداء التمثيلي، وهو ما اعتبرته بعض القراءات النقدية سابقة غير معتادة في تاريخ المهرجان الحديث.
وتوضح تحليلات نقدية أن هذا التوجه نحو “التقاسم” في الجوائز يعكس، في جانب منه، صعوبة الحسم بين مستويات فنية متقاربة، بينما يرى آخرون أنه يعكس اتجاهاً جديداً في آليات التقييم داخل لجان التحكيم، خصوصاً في ظل تنوع المدارس السينمائية المشاركة وتداخل الأساليب السردية والبصرية في عدد كبير من الأفلام.
انقسام نقدي حول الجوائز
على صعيد التقييم النقدي، ذكر تقرير أعدته منصة Screen Daily المتخصصة في صناعة السينما العالمية، أن الدورة الحالية اتسمت بانقسام واضح في الآراء حول عدد من الأعمال الفائزة، حيث لم يحظ الفيلم المتوج بالسعفة الذهبية بإجماع نقدي واسع، مقارنة بأعمال أخرى حظيت بإشادة أكبر من بعض النقاد، في حين اعتبر آخرون أن بعض الجوائز ذهبت إلى أفلام أقل حضوراً على المستوى الفني مقارنة بغيرها من المشاركات.
وفي المقابل، برزت إشادات بعدد من الأفلام التي لم تحصد الجوائز الكبرى، لكنها لاقت اهتماماً نقدياً واسعاً خلال أيام المهرجان، ما أعاد طرح النقاش التقليدي حول العلاقة بين خيارات لجان التحكيم وتقييم النقاد المستقلين، وهو نقاش يتكرر في معظم دورات “كان” وإن كان يأخذ زخماً أكبر في بعض السنوات مقارنة بغيرها.
وفي هذا السياق، أشار الناقد البريطاني بيتر برادشو (Peter Bradshaw) في صحيفة “The Guardian” إلى أن منح السعفة الذهبية لفيلم “فيورد” يعكس توجهاً نحو تفضيل السينما التأملية على حساب الأعمال الأكثر مباشرة من حيث السرد والتأثير الجماهيري، معتبراً أن القرار “قابل للنقاش النقدي الواسع”.
ورأى الناقد أوين غليبرمان (Owen Gleiberman) في مجلة “Variety” أن الدورة حملت مفارقة لافتة بين قوة بعض العروض الفردية ونتائج الجوائز النهائية، مشيراً إلى أن عدداً من الأفلام التي لم تُتوّج كانت أكثر حضوراً من الناحية الفنية والبصرية مقارنةً بالأعمال الفائزة، وهو ما عمّق حالة الجدل حول معايير الاختيار داخل لجنة التحكيم.
أما الناقد ديفيد روني (David Rooney) فاعتبر حسب موقع “The Hollywood Reporter” أن النتائج تعكس استمرار المهرجان في تكريس السينما ذات الطابع الرمزي والفلسفي، ما قد يخلق فجوة متزايدة بين ذائقة النقاد المستقلين وقرارات الجوائز الرسمية.
ولفت الناقد غاي لودج (Guy Lodge) وفق موقع “Screen Daily” إلى أن هذه الدورة تميزت بتقارب مستويات عدد كبير من الأفلام، ما جعل عملية الحسم صعبة على لجنة التحكيم، لكنه لفت إلى أن ظاهرة “التقاسم في الجوائز” جاءت أيضاً لتؤكد حالة عدم الإجماع النقدي حول العمل الفائز، في دورة وُصفت بأنها من الأكثر جدلاً في السنوات الأخيرة.
وفي المحصلة، خرجت دورة “كان” 2026، كدورة غنية من حيث التنوع الفني، لكنها مثيرة للجدل من حيث النتائج النهائية، في ظل استمرار النقاش حول معايير التقييم وحدود التوازن بين الاعتبارات الفنية والاختيارات الرمزية داخل واحد من أهم المهرجانات السينمائية في العالم، وقد اختُتمت فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من المهرجان في الـ 23 من أيار 2026، بعد أحد عشر يوماً من العروض السينمائية والبرامج المتنوعة التي احتضنتها مدينة كان الفرنسية.