الرياض-سانا
تُلبي نساء مكة النداء، لا إلى صعيد عرفات حيث ضجيج الحجيج، بل إلى حيث تسكن الطمأنينة في صحن الطواف، وما إن تغدو الساحة فسيحة بهدوء المهيب، حتى تنساب نسوة مكة وأطفالهن إلى المسجد الحرام، يعمرنه بالذكر والدعوات، في مشهد روحاني آسر يُعرف بـ”يوم الخليف”.
مؤنسات الحرم.. حين تلبس الكعبة سواد العباءات
في هذا اليوم، يُطلق على نساء مكة لقب “مؤنسات الحرم”، فهن يحرصن على التواجد بكثافة ليُذهبن وحشة المكان، مخلفات الرجال الذين تفرغوا لخدمة الحجاج في المشاعر المقدسة.
ووفق ما وثّقته صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية، يغلب على مشهد الطواف اللون الأسود، إذ ترتدي النساء عباءاتهن في لوحة إيمانية تُزيّن ساحات البيت العتيق.
خلّفنَ الرجال.. قصة تسمية من عمق التراث المكي
يرتبط اسم “الخليف” بروايتين راسختين في الذاكرة المكية؛ الأولى تعني أن النساء يخلفن الرجال في إدارة البيوت وحراستها وفي عمارة الحرم، أما الثانية، فتشير إلى أنهن “تخلّفن” عن ركب الحجيج، فهن من لم يتيسر لهن الحج أو المشاركة في خدمته، فجعلن من بقائهن في الحرم عبادة خالصة.
موائد الرحمن.. حين يمتزج الصيام بإفطار المغرب
يمتد بقاء النسوة في رحاب المسجد الحرام من صباح يوم عرفة وحتى منتصف ليلة عيد الأضحى، وخلال ذلك، يحرصن على صيام هذا اليوم المبارك، ويقمن بإعداد وتوزيع وجبات الإفطار على الصائمين قبيل أذان المغرب، ثم يؤدين الصلاة جماعةً، في مشهد يعكس أسمى صور التكافل الاجتماعي في قلب مكة.
حكاية حبّ مكية.. موروث يتعانق فيه التاريخ والحرم
لا يُؤرخ ليوم الخليف ببداية محددة، لكن الرواة يُجمعون على أنه عادة مكية أصيلة تمتد جذورها لمئات السنين، وتتناقلها الأسر جيلاً بعد جيل، وكما وثّق الباحث في التراث الحجازي الدكتور محمد أبو بكر الملا، فإن هذا التقليد كان جزءاً من نسيج الحياة الاجتماعية في مكة قبل قيام الدولة السعودية، حيث كانت نساء العاصمة المقدسة يحرصن على إحيائه كل عام، فتحفظ به البيوت سكينة الحرم، ويحفظ بهن الحرم بهاء الحضور.
واليوم، ومع تطور خدمات الحرمين وتنظيم الحشود، لا يزال يوم الخليف شاهداً حياً على خصوصية العلاقة بين المرأة المكية وبيت الله الحرام، علاقة لا تصنعها الشعائر وحدها، بل تصوغها المحبة الموروثة منذ عهد الكرام.