دمشق-سانا
بين ثنيات الشروال، ووقار الطربوش، وبياض غطاء الرأس المطرز، وحضور الملاية في ذاكرة النساء، لا تبدو الأزياء التراثية مجرد ملابس طواها الزمن، بل صفحات حية من تاريخ اجتماعي وثقافي، كتبتها الغوطة الشرقية ودمشق بالأقمشة والألوان والتطريزات وطريقة ارتداء اللباس.
وفي سوريا، شكّلت الأزياء الشعبية جزءاً من الإرث الحضاري الذي حفظ خصوصية المدن والمناطق، إذ امتلكت كل منطقة بصمتها الخاصة في اختيار القماش واللون والزخرفة، وبقيت هذه الأزياء شاهدة على علاقة الإنسان ببيئته وعاداته ومناسباته، وبين الغوطة الشرقية ودمشق، تتجلى نماذج غنية من هذا التراث، تعكس تمازج الحضارات وتراكم التاريخ عبر قرون طويلة.
ويقدّم كتاب “الأزياء الشعبية وتقاليدها في سوريا” للدكتور حسن حمامي قراءة توثيقية للأزياء الشعبية السورية بوصفها جزءاً من الذاكرة الجمعية والهوية الوطنية، لا مجرد قطع قماشية أو أنماط لباس، موضحاً أن اللباس الشعبي تطور عبر الزمن ليجمع بين الراحة والستر والجمال، فبقي حاضراً في العمل والمناسبات والأفراح، وخصوصاً لدى الفلاحين، بينما ينظر إليه الشباب اليوم بوصفه علامة تراثية تمثل تاريخ بلدهم.
الغوطة الشرقية.. الشروال ذاكرة المكان
وفي حديثه لـ سانا، استعرض الباحث في التراث الشعبي أحمد برهوم ملامح الأزياء الشعبية في الغوطة الشرقية ومدينة دوما بشكل خاص، موضحاً أن اللباس العربي القديم شهد تطورات عديدة مع مرور الزمن، وأن أصل لباس الرجال كان الثوب أو “الكلابية”، بينما عُرف عند النساء لباس “الشرش”، وهو ثوب طويل وفضفاض.
وأشار برهوم إلى أن التحولات التاريخية أدت إلى ظهور “الشروال”، الذي أصبح لاحقاً من أبرز ملامح اللباس الشعبي في بلاد الشام وأريافها، لافتاً إلى أن الباحثين اختلفوا حول جذوره؛ إذ يرى بعضهم أنه دخل إلى العرب عبر الفرس من كلمة “شلوار” الفارسية، بينما يربط آخرون أصوله بجذور آرامية أو كردية، قبل أن ينتشر بشكل أوسع خلال العصر العباسي، ويصبح لباساً أساسياً لأبناء الريف.
وبيّن أن شروال الغوطة لم يكن مجرد قطعة لباس، بل حمل تفاصيل مرتبطة بالمكان والهوية؛ إذ اختلفت نماذجه وألوانه وأطواله من منطقة إلى أخرى، فشروال دمشق وريفها يختلف عن نظيره في حلب أو حماة أو الساحل أو درعا أو السويداء، كما ارتبط بأقمشة خاصة مثل “السلكة الإنكليزية” وأقمشة “دياب” المعروفة بتعدد ألوانها.
ولم يقتصر الزي الرجالي الشعبي، بحسب برهوم، على الشروال وحده، بل رافقته عناصر أخرى، أبرزها القميص المصنوع من أقمشة متعددة مثل الصايا والساتان، إضافة إلى الصدرية الحريرية المعروفة بـ “دعسة القطة”، والشال والدامر والمنتيان والحطة والطاقية، كما شكّلت الإكسسوارات جزءاً أساسياً من المظهر الشعبي، ومنها ساعات الجيب الفضية والخناجر والمسابح وخواتم الفضة.
ولفت برهوم إلى أن الطربوش كان يرتبط بالأغوات وأصحاب المكانة الاجتماعية والثراء، وانتشر بشكل أوسع في المدن الكبرى مقارنة بالأرياف، بينما كان الحذاء الأكثر شهرة آنذاك “الكندرة الكسرية” التي تُلبس من دون كعب.
ملاية وغطاية وسركس.. أناقة محافظة وذاكرة عرس

في مقابل الزي الرجالي، حملت الأزياء النسائية في الغوطة الشرقية طابعاً محافظاً يعكس طبيعة المجتمع، حيث أوضح برهوم أن المرأة كانت ترتدي عند الخروج “الملاية”، التي اختلفت ألوانها بين منطقة وأخرى رغم ثبات شكلها العام، وتُلبس معها “الغطاية” البيضاء المطرزة يدوياً، والمنديل الأسود لتغطية الوجه.
أما داخل المنزل فكان الثوب الفضفاض المعروف بـ “السركس” من الألبسة الأكثر انتشاراً، وهو اسم يعود، بحسب الباحث، إلى أصول شركسية مرتبطة بقبائل “الأديغة” في القوقاز، أما المناسبات والأعراس فلها ملابسها الخاصة، إذ ارتدت العروس الثوب الأبيض المطرز والمزخرف بالخرز والزينة التقليدية، إضافة إلى الذهب والليرات التي كانت تشكل جزءاً من زينتها.
دمشق.. الزي مرآة المكانة وتحولات القرن العشرين
وإذا كانت الغوطة الشرقية قد حفظت ملامح الريف في شروالها وملايتها، فإن دمشق قدّمت نموذجاً مدنياً آخر للأزياء، ظهرت فيه الثياب بوصفها علامة على البيئة والمكانة الاجتماعية والذوق العام.
الباحث محمد دبور لفت إلى أن الأزياء الشعبية الدمشقية كانت مرآة للمجتمع ومكانة الفرد، إذ لم تكن تدل على موطن مرتديها فحسب، بل كانت تعكس وضعه الاجتماعي أيضاً، مضيفاً: إن الأزياء الدمشقية تميزت باتساعها وراحتها وانسجامها مع البيئة، فضلاً عن ألوانها وتطريزاتها الغنية.
وأشار إلى أن طبيعة المناطق الجغرافية لعبت دوراً في اختيار الألوان؛ ففي المناطق الخضراء سادت الأقمشة المزركشة والملونة، بينما فضلت المناطق الجرداء الألوان الموحدة المدعمة بالتطريز والزخارف، أما الأماكن المكشوفة لأشعة الشمس فغلبت عليها الألوان الداكنة مثل الأسود والأزرق الغامق.
وبيّن دبور أن الأزياء الدمشقية شهدت تغيرات كبيرة خلال القرن العشرين بفعل الانفتاح والعلاقات مع الغرب، إذ تراجع استخدام القنباز والشروال التقليدي والطربوش تدريجياً، كما تبدلت أزياء النساء من الملاية والمنديل إلى الإشارب والأزياء الحديثة، لتبقى تلك التحولات شاهداً على مسار اجتماعي وثقافي طويل، حافظ رغم تغيراته على حضور التراث وروحه في الذاكرة السورية.