دمشق-سانا
يكتب الباحث والإعلامي السوري الدكتور البراء هلال تجربته بين الميدان والحبر، متنقلاً من تغطية الحروب والتحولات السياسية إلى البحث في النقد والأدب المقارن، في مسار جمع بين الصحافة الميدانية والعمل الأكاديمي والترجمة والدراسات الثقافية.
وعلى امتداد سنوات من العمل الإعلامي والبحثي، تنقلت تجربة هلال بين دمشق وإسلام آباد ومدن الشرق الإسلامي، حيث درس النقد الحديث، واشتغل على الأدب المقارن، وعايش تحولات المنطقة مراسلاً صحفياً وإعلامياً حربياً، قبل أن ينشغل بأسئلة اللغة والهوية وصلات الأدب العربي بآداب الشرق.
وفي حوار مع سانا الثقافية، تحدث هلال عن أثر التجربة الميدانية في مشروعه النقدي، وعلاقته بالشعر، ورؤيته لحضور الأدب العربي في الجامعات الباكستانية، إضافة إلى مشروعه المعرفي الهادف إلى إعادة اكتشاف الآداب المشرقية وصلاتها بالثقافة العربية.
من الميدان إلى النقد
يرى هلال أن التجربة الإعلامية، ولا سيما في مناطق النزاعات، تركت أثراً عميقاً في وعيه النقدي والأدبي، موضحاً أن الكاتب في الميدان يواجه الواقع بلغته قبل أي شيء آخر.
وقال: “شهدتُ لظى الحرب في أفغانستان، وعايشت مراحل الثورة في سوريا، ولم أكن يوماً محايداً تجاه ما يحدث، بل كنت أرى أن اللغة يمكن أن تكون وسيلة لترميم الوجدان وبث الأمل”.
وأضاف إن التجربة الميدانية دفعته إلى الابتعاد عن “المجازات العقيمة”، والبحث عن لغة أكثر قدرة على ملامسة الواقع وكشف أسبابه العميقة، مشيراً إلى أنه وجد نفسه أقرب إلى النقد بوصفه مساحة لفهم التحولات الإنسانية والفكرية.
الجمع بين الأكاديمية والصحافة
عن الجمع بين العمل الإعلامي والبحث الأكاديمي، أوضح هلال أنه لم يشعر يوماً بتناقض بين المجالين، بل سعى إلى الإفادة من كل تجربة في خدمة الأخرى.
وأشار إلى أنه كان يحرص خلال تنقلاته في مدن الهند والسند وبلاد فارس وخراسان على تتبع آثار الشعراء والعلماء والمخطوطات، وإنتاج مواد صحفية ووثائقية حولهم، مضيفاً: :حاولت أن أجعل الميدان الإعلامي منصة حية لتوثيق الهوية، وأن أمنح العمل الصحفي عمقاً معرفياً وفلسفياً”.
ومن أبرز أعماله الوثائقية فيلم عن شمس التبريزي، إلى جانب مواد صحفية تناولت شعراء وأعلاماً من الشرق الإسلامي، مثل محمد إقبال والبستي والخيام والبيروني.
الأدب المقارن وكسر العزلة الثقافية
حول توجهه نحو الأدب المقارن، أوضح هلال أن إقامته في باكستان لنحو عقدين، واطلاعه على الآداب الأردية والهندية والفارسية بلغاتها الأصلية، قاداه إلى اكتشاف الروابط العميقة بين الثقافة العربية وآداب الشرق الإسلامي.
وقال: “حين تعرفت إلى اللغات الأخرى أدركت بصورة أعمق عبقرية العربية ومرونة تراكيبها، كما اكتشفت حجم التأثير المتبادل بين الآداب العربية والفارسية والهندية والأردية”.
وأضاف: إن هذا الشغف تجلى في كتابه “أثر الآداب المشرقية في تحولات الشعر العربي” الذي نال عنه جائزة الشارقة للإبداع العربي عام 2021، إضافة إلى دراسات تناولت الشخصية الشعرية والتحولات النفسية والرمزية في النصوص الأدبية.
النقد الحديث وأسئلة الإنسان
عن تطور النقد العربي، رأى هلال أن الدراسات النقدية الحديثة تجاوزت الأطر التقليدية إلى مناهج أكثر انفتاحاً على التحليل النفسي والسيميائي وتحولات الأنا الشعرية، لكنه حذّر في الوقت نفسه من إسقاط النظريات الغربية على النص العربي بصورة قسرية.
وقال: “التحدي الحقيقي لا يكمن في استيراد المناهج، بل في القدرة على تطويعها بما يخدم خصوصية النص العربي وسياقه الثقافي”.
حضور العربية في باكستان
في حديثه عن حضور الأدب العربي في الجامعات الباكستانية، أكد هلال أن العربية هناك ليست لغة أكاديمية فحسب، بل جزء من الوجدان الثقافي والديني.
وأشار إلى وجود آلاف المدارس والمعاهد والكليات التي تُعنى بالعربية والدراسات الإسلامية، معتبراً أن هذا الحضور يشكل جسراً حضارياً بين العالم العربي وشبه القارة الهندية.
وقال: “في باكستان هناك عدد كبير من متقني اللغة العربية، ما يعكس عمق العلاقة التاريخية والروحية مع هذه اللغة”.
الشعر بوصفه لغة مقاومة
عن علاقته بالشعر، قال هلال: “إن الإعلام والشعر يشتركان في أدوات التأثير والإقناع”، معتبراً أن الشعر ليس ترفاً جمالياً، بل “لسان يحارب، وضماد يجبر ما تهدمه الحروب”.
ووجّه نصيحة للباحثين الشباب بضرورة الجمع بين الرصانة الأكاديمية واللغة الحية القادرة على الوصول إلى الجمهور، مؤكداً أن “اللغة ليست مجرد أداة تعبير، بل هوية ومنهج حياة”.
مشروع لإحياء الآداب المشرقية
رأى هلال أن المشهد الثقافي العربي يعاني “عزوفاً ملحوظاً عن استلهام الآداب المشرقية، مقابل اندفاع واسع نحو المنتج الأدبي الغربي، رغم الروابط الحضارية والثقافية العميقة التي تجمعنا بآداب الشرق الإسلامي”.
وأوضح أنه يعمل حالياً على مشروعين أدبيين في هذا السياق، بينهما كتاب بعنوان “كتابي إليك”، يعتمد أسلوب الرسائل الأدبية، ويتضمن مراجعات نقدية وتأملات موجهة إلى رموز التراث العربي والمشرقي، بهدف “إعادة استنطاق أثرهم الفكري وبناء جسر قراءة معاصر يصل الماضي الثقافي بآفاق المستقبل”.
سيرة حافلة
يحمل الدكتور البراء هلال دكتوراه في النقد والأدب المقارن من الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد، وماجستير فلسفة في النقد الأدبي العربي المعاصر من الجامعة نفسها، إضافة إلى بكالوريوس في اللغة العربية من جامعة البنجاب، وماجستير في إدارة الأعمال الطبية، ودكتوراه في الصيدلة من جامعة بهاء الدين زكريا في باكستان.
وعمل أستاذاً جامعياً لمواد الشعر والنقد الحديث، ومراسلاً لعدد من القنوات العربية، بينها التلفزيون العربي والتلفزيون السعودي وتلفزيون عُمان، كما تولى مهام إعلامية وبحثية في سفارة المملكة العربية السعودية في إسلام آباد.
ونال جائزة الشارقة للإبداع العربي، إضافة إلى جوائز عربية وعالمية في الشعر والنقد، وأصدر عدداً من الكتب والدراسات، من بينها “أحمد خان ودوره في تحقيق المخطوطات العربية في باكستان”، و”أثر الآداب المشرقية في تحولات الشعر العربي”، إلى جانب عشرات البحوث المنشورة في المجلات الأكاديمية العربية والباكستانية.