دمشق-سانا
استضاف المركز الثقافي العربي في كفرسوسة بدمشق، ضمن فعاليات أسبوع الثقافة المجتمعية، محاضرة بعنوان “الثورة وبناء الوعي المجتمعي”، قدّمها معاون محافظ دمشق لشؤون القطاع الأول محمد سعيد الفيومي، وأكد أن الثورة، بمفهومها الاجتماعي والفكري، ليست حدثاً عابراً أو انفجاراً مفاجئاً، بل هي عملية تراكمية تنشأ من وعي عميق بالاختلال ورفض لواقع غير عادل، مشيراً إلى أن بناء الوعي المجتمعي يشكّل الأساس الذي يمهّد لأي تغيير جذري.
تعريف الثورة وجذورها الفكرية

أوضح الفيومي أن الثورة تُعرَّف بأنها تمرد جذري على وضع راهن بهدف تغييره نحو نموذج أفضل، وهي رفض لنظام قائم تحكمه قوانين مكتوبة أو غير مكتوبة، وتنشأ من عدم قبول الإذعان لطريقة أداء السلطة أو القائمين عليها، وقد تكون دوافعها منطقية نابعة من مظالم اقتصادية أو اجتماعية أو قيمية، وقد تأتي أحياناً بدوافع عاطفية أو شخصية، وغالباً ما تبدأ الثورات من فرد أو مجموعة صغيرة قادرة على تعبئة الآخرين وإقناعهم بضرورة التغيير، لتتحول لاحقاً إلى حركة شعبية واسعة.
وعي بالاختلال ومسؤولية تجاه التغيير
يرى الفيومي، أن الفكر الثوري ليس مجرد رفض سطحي للواقع، بل هو وعي بالظلم وإدراك لعدم عدالة الوضع القائم، مقرون بإيمان بإمكانية التغيير والشعور بالمسؤولية تجاهه، ويتسم هذا الفكر بكونه جذرياً يتجه إلى أصل المشكلة، وقيمياً يستند إلى مبادئ راسخة، ومرناً يتطور مع التجربة.

وتابع: “من منظور علم الاجتماع، لا تقوم الثورة بفرد واحد، بل تحتاج إلى عدوى الوعي بين الناس: وعي بالظلم، وعي بالقيم، ثم قبول التضحية، إضافة إلى تشكّل هوية جماعية للثائرين وأخرى مقابلة لهم”.
مراحل الثورات وتمييزها عن الاحتجاجات
واستعرض الفيومي المراحل التي تمر بها الثورات، بدءاً من مرحلة الكمون حيث تكون المشكلة موجودة لكنها غير مدركة، ثم مرحلة الوعي وتبلور القضية، وصولاً إلى مرحلة ما قبل الانفجار حين يقترب الشعور بالظلم من النضج، وتأتي بعدها الشرارة التي قد تكون حدثاً صغيراً لكنه يطلق مساراً تصاعدياً من الاستقطاب والمواجهة، تليها مرحلة الصبر واختبار العزم وصولاً إلى النجاح أو الفشل، وأكد أن ليست كل انتفاضة أو احتجاج ثورة بالمعنى العميق، كما أن الثورات ليست دائماً ناجحة أو مكتملة فكرياً.
تنوع الثورات ودور القيم في استمراريتها
وأوضح الفيومي أن فهم الثورات يستدعي قراءة عميقة لجذورها القيمية والنفسية والاجتماعية، فهي نتاج وعي جمعي يتشكل عبر تراكم طويل، وتنوّعت الثورات عبر التاريخ بين ثورات الجياع الناتجة عن ضغوط اقتصادية، وثورات بدوافع عاطفية أو ثأرية، وأخرى قيمية واسعة تسعى إلى تغيير الواقع.

وتناول الفيومي الصفات النفسية للشخصية الثائرة، مؤكداً أنها تتسم بالحساسية تجاه الظلم والإيمان بإمكانية التغيير، وتؤدي الجماعة دوراً أساسياً في تعزيز هذا الوعي عبر ما سماه “توريث الفكر الثوري”، أي انتقال قيم الثورة من جيل إلى آخر لضمان استمراريتها.
وشدد في هذا الإطار، على أن الحفاظ على القيم الثورية يمنع الانزلاق نحو مواقف متطرفة أو جامدة، وأن الثورات الناجحة هي تلك التي تستمر في إنتاج الوعي ولا تتوقف عند لحظة الانفجار الأولى.
وختم الفيومي بأن دراسة الثورات هي في جوهرها دراسة لآليات التغيير الاجتماعي وكيفية تشكّل الوعي الجمعي، بما يساعد المجتمعات على قراءة واقعها بعمق ومسؤولية.





