دمشق-سانا
يسلط كتاب “التطور الإعصاري للرأسمالية.. العصر الحديث بين فكي شموليتين” للكاتب نبيل خضر ملحم الضوء على الطبيعة المركبة للنظام الرأسمالي العالمي، متتبعاً تناقضاته البنيوية وآليات اشتغاله التي تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والأيديولوجيا، في محاولة لفهم أعمق لمسار الهيمنة العالمية وتشكلاتها المعاصرة.
الرأسمالية بين الدمج والتفتيت
ينطلق الكتاب، الصادر حديثاً عن دار موزاييك للدراسات والنشر في 343 صفحة من القطع الكبير، من فكرة محورية مفادها بأن النظام الرأسمالي العالمي أطلق عمليتين متناقضتين في آن واحد، تتمثل الأولى في دمج اقتصادات العالم ضمن منظومة واحدة مترابطة، فيما تقوم الثانية على تفتيت البنى السياسية إلى كيانات متعددة، بما يسمح للقوة المهيمنة بإحكام السيطرة على مفاصل الاقتصاد والسياسة.
ويشير المؤلف إلى أن هذا التناقض الظاهري ليس خللاً في النظام، بل هو أحد شروط استمراره، إذ يتيح من جهة توسيع نطاق السوق العالمية، ومن جهة أخرى يضعف الكيانات السياسية، ما يسهل إخضاعها لمنطق الهيمنة.
مساءلة المفاهيم الكلاسيكية
يتوقف ملحم عند الفوارق بين مركزية التفوق الثقافي التي سادت لدى بعض مفكري عصر الأنوار، ومركزية التطور التاريخي المرتبطة بالفكر الماركسي، موضحاً أن الاختلاف بينهما يكمن في تفسير أسباب التفاوت بين الشعوب، بين ما يُعزى إلى عوامل ثقافية وعرقية، وما يُفسر بعوامل اقتصادية تاريخية.
كما يعيد الكتاب قراءة أفكار الفيلسوف كارل ماركس، مشيراً إلى ما يعتبره “أوهاماً” رافقت تصوّراته حول توسّع النظام الرأسمالي، ولا سيما الاعتقاد بأنه سيؤدي إلى إعادة تشكيل العالم بصورة متجانسة.
ويرى أن التطورات الواقعية أظهرت مساراً أكثر تعقيداً، تمثّل في بروز تشوّهات بنيوية عميقة داخل مجتمعات الأطراف، بدلاً من تحقيق ذلك التجانس الذي افترضته تلك الرؤى النظرية.
الرأسمالية كقوة شمولية
يطرح الكتاب تصوراً للرأسمالية بوصفها قوة تتجاوز بعدها الاقتصادي، لتغدو نظاماً شمولياً عابراً للقارات، يعمل عبر أدوات متعددة تشمل الاقتصاد والسياسة والأيديولوجيا، بهدف احتكار المجالات الحيوية داخل المجتمعات.
ويرى المؤلف أن هذا الاحتكار يؤدي إلى تعطيل مسارات التطور المستقل للدول، حيث يتم توجيه بنيتها الداخلية بما يخدم استمرارية النظام العالمي القائم، ويحدّ من قدرتها على بناء نماذج تنموية مستقلة.
من التبعية إلى الابتلاع
في سياق تحليله للعلاقة بين المراكز والأطراف، ينتقد ملحم مفهوم التبعية، معتبراً أنه لم يعد كافياً لتفسير طبيعة الهيمنة في النظام الرأسمالي المعاصر، ويقترح بديلاً مفاهيمياً يتمثل في “الابتلاع”، الذي يصف عملية استيعاب البنى الضعيفة داخل النظام، ثم تفكيكها وإعادة إنتاجها بما يخدم القوى المهيمنة.
ويؤكد أن هذا المفهوم يعكس بشكل أدق آليات السيطرة المعاصرة، التي لا تكتفي بإبقاء الأطراف في حالة تبعية، بل تعمل على إعادة تشكيلها بنيوياً لتصبح جزءاً وظيفياً من منظومة الهيمنة.
قراءة نقدية في مسار عالمي
وفي تصريح لـ سانا، أوضح المؤلف خضر أن الكتاب يمثل محاولة لفهم الطبيعة الحقيقية للنظام الرأسمالي العالمي، بعيداً عن التفسيرات المبسطة التي تختزله في كونه مجرد نظام اقتصادي، مشيراً إلى أنه منظومة شمولية قادرة على إعادة تشكيل العالم سياسياً واقتصادياً.
وأضاف: إن الرأسمالية لا تكتفي بدمج الاقتصادات، بل تعمل في الوقت نفسه على تفتيت البنى السياسية، معتبراً أن هذا التناقض هو أحد مرتكزات استمرارها، كما شدد على أن مفهوم “التبعية” لم يعد كافياً، ما دفعه إلى تقديم مفهوم الابتلاع بوصفه تعبيراً أكثر دقة عن طبيعة العلاقات داخل هذا النظام.
ويقدم الكتاب، في مجمله، قراءة نقدية لمسار الرأسمالية المعاصرة، كاشفاً عن آلياتها المركبة في التحكم بالعالم، ومثيراً تساؤلات حول مستقبل النظام الدولي وإمكانيات تجاوز بنيته الراهنة.
نبذة عن المؤلف
نبيل خضر ملحم كاتب وباحث سوري من مواليد حمص 1963 مهتم بقضايا الفكر السياسي والاقتصاد العالمي، عُرف بكتاباته النقدية التي تسعى إلى تفكيك مفاهيم الهيمنة والتبعية، وتقديم مقاربات فكرية بديلة لفهم التحولات العالمية، لديه عدد من الدراسات التي تجمع بين التحليل السياسي والاقتصادي برؤية نقدية.