دمشق-سانا
في إطار جهودها الرامية إلى تعزيز الوعي النفسي والاجتماعي في المجتمع السوري، نظّمت مؤسسة التميز التنموية بالتعاون مع مبادرة أبجد التعليمية اليوم الإثنين، فعالية بعنوان “سيكولوجيا الصمود والتعافي في ظل الأزمات”، قدّمها الاستشاري سعيد المصري، بحضور عدد من المتخصصين والمهتمين بالشأن النفسي.
فهم الأزمات ومراحلها وتأثيراتها

استعرض المصري خلال الفعالية طبيعة الأزمات ومراحل تطورها لدى الأفراد، موضحاً أن الأزمة تمر بسلسلة من المراحل تبدأ بالإنكار، ثم التساؤل والندم، يليها التسليم والضعف، وصولاً إلى مرحلة القاع التي تمثل ذروة الألم، قبل الانتقال إلى مرحلة الانفتاح على تجارب جديدة، واستعادة ذكريات الأزمة ومراجعتها، ثم طلب الدعم من المتخصصين.
وأشار إلى بيانات منظمة الصحة العالمية التي تفيد بأن 70% من مرضى الاكتئاب يعانون أعراضاً جسدية مزمنة، وأن تراكم التوتر المزمن يسهم في ارتفاع معدلات أمراض القلب والسكري، فيما تصل معدلات اضطراب ما بعد الصدمة في المجتمعات الخارجة من الحروب إلى مستويات تتراوح بين 30 و40%.
وبيّن المصري أن تفعيل “جهاز الخطر” في الدماغ يعيد استحضار تجارب الألم القديمة، ما يؤدي إلى ارتفاع هرمون الكورتيزول واستمرار نمط الاستجابة القديمة، مؤكداً أن الوعي يشكّل الخطوة الأولى للخروج من دائرة التوتر المتكرر.
التمييز بين الأزمات والضغوط النفسية
وتناول المصري الفرق بين الأزمة والضغط النفسي، موضحاً أن الأزمة غالباً ما تكون حدثاً حاداً ومفاجئاً يؤدي إلى خلل نفسي قصير المدى، بينما الضغوط النفسية قد تكون طويلة الأمد وتنشأ من عوامل داخلية أو خارجية، ويعتمد تجاوزها على مرونة الفرد وقدرته على التكيّف، وشدّد على أن المشكلة لا تكمن في الأزمة ذاتها، بل في طريقة إدراك الفرد لها، مؤكداً أن الإنسان قادر على إعادة صياغة تجربته بما يعزز قدرته على التكيّف، وهو أمر بالغ الأهمية في مجتمع يمر بمرحلة تعافٍ بعد الحرب.
إدارة الأزمات في بيئة العمل
كما تطرّق المصري إلى أهمية دعم الكوادر والموظفين في المؤسسات من خلال برامج دعم نفسي جماعي وفردي، وتعزيز ثقافة الحوار والشفافية في بيئة العمل، وتدريب الموظفين على مهارات التواصل الفعّال للتعامل مع ضغط العملاء، وحذّر من مخاطر الإرهاق المهني (Burnout) الذي اعترفت به منظمة الصحة العالمية كحالة مهنية تؤثر في الأداء وترفع خطر الإصابة بالاكتئاب، داعياً إلى إنشاء مراكز دعم نفسي داخل المؤسسات وتفعيل برامج إشراف نفسي مستمر.
استراتيجيات التعامل مع الضغوط
وتناول المصري مجموعة من الاستراتيجيات التي تساعد الأفراد على التعامل مع الضغوط، من بينها تحديد مصادر التوتر عبر كتابة اليوميات، وإدارة الوقت وتحديد الأولويات، والعناية بالصحة الجسدية من خلال الرياضة والنوم الكافي والغذاء الصحي، إضافة إلى استخدام تقنيات الاسترخاء مثل التنفس العميق واليوغا والتأمل، وطلب الدعم من الأسرة والأصدقاء، وتنمية القدرة على التعبير عن المشاعر، وتعزيز الثقة بالنفس والتحصين الداخلي، واستبدال الصور والكلمات السلبية بأخرى إيجابية، وممارسة الامتنان اليومي.
وفي ختام الفعالية، شدّد المصري على أهمية تعزيز الوعي النفسي في المجتمع السوري الخارج من الحرب، حيث تراجع الدور الطبيعي للمجتمع في احتواء الأفراد، وأكد أن إعادة بناء المجتمع تبدأ من صحة أفراده النفسية والجسدية، بما يضمن جودة حياة أفضل وبناء جيل واعٍ قادر على تحويل التحديات إلى فرص للتماسك الاجتماعي.