دمشق-سانا
نقل الفيلم الوثائقي التركي “سوريا السريالية” اليوم الأحد، الحضور في مدرج المكتبة الوطنية السورية بدمشق، إلى عالم الآلام التي عانى منها المعتقلون في غياهب السجون أيام النظام البائد، وفرحة النصر والخلاص.

الوثائقي الذي كتبه وأخرجه ديهات كايا عُرض للمرة الأولى في سوريا بعد إطلاقه بإسطنبول في كانون الأول الماضي، وتم إهداؤه للشعب السوري بمناسبة الذكرى الأولى للتحرير، حيث عكس خلال دقائق عرضه الـ 37 ملخصاً لأدوات وأساليب التعذيب داخل سجون النظام البائد.
شهادات من قلب المعتقلات
تبدأ أحداث الفيلم من زيارة صحفيين إلى سوريا بعد التحرير، ولقاء ناجين من الاعتقال، ومشاركة الشعب السوري فرحة النصر والتحرير، حيث أكدوا أنهم أدركوا حجم الفرحة العارمة بقدر الألم والمأساة داخل تلك الغرف المظلمة.

وانتقلت الكاميرا عقب ذلك إلى داخل كل سجن، ولا سيما سجن صيدنايا، حيث وثقوا ظروفها اللاإنسانية برفقة أحد الناجين الذي شرح لهم طرائق التعذيب التي لا يمكن للعقل البشري تخيلها ورفاقهم الذين قضوا نتيجة هذه الظروف.

وتنقلت كاميرا الفيلم بين مدن دمشق وحماة وحمص، بالإضافة إلى الغوطة الشرقية، لرصد شهادات حية لناجين من تلك المعتقلات، جسدت تمسكهم بالأمل وتطلعهم للحرية، كما رووا تفاصيل سنوات التعذيب وواقع الزنازين البائس، وفي المقابل فرحتهم بالنصر والحياة من جديد.
توثيق للمأساة ودعوة لبناء المستقبل
الفيلم الذي أنتج بالتعاون مع مؤسسة “يدي باشاك” التركية التي تعنى بتقديم المساعدات الإنسانية، قال مديرها عصمت يلدريم في كلمته الافتتاحية قبيل العرض: “نحن نتمسك بوحدة الصف بعد طريق النضال الطويل الذي سلكناه ضد الظلم، والذي كان يظن نفسه أقوى من الجميع إلا أنه خزي في النهاية”.

منتجة الفيلم تولاي غوكچيمين أشارت في تصريح لمراسلة سانا إلى أنها تعمل منذ 14 عاماً منذ أن شهدت سوريا أعمال الإبادة والحرب، على تقديم شيء لهذه الأرض، من خلال أفلامها الوثائقية وأعمالها الإنسانية.
وأضافت: “حاولت أن أنقل إلى العالم ما ارتكبه نظام الأسد من تعذيب وظلم بحق الشعب السوري، من خلال آلاف مقاطع الفيديو التي صورناها، ليرى العالم ما جرى هنا من ظلم وانتهاكات”.
وأشارت غوكچيمين إلى أن “وجودنا في سوريا الحرة اليوم أمر مهم جداً، ونحن برفقة نساء كنّ أسيرات في السجون، حيث جئن معاً لمشاهدة هذا الفيلم، ومن الآن فصاعداً سنعمل معاً على تصوير أفلام لأيام أجمل في سوريا”.

بدوره أوضح مخرج الفيلم ديهات كايا أن اختيار عنوان “السريالية” جاء انعكاساً لقسوة الأحداث التي شهدتها سوريا، من مجازر وجرائم إبادة، وما عاشه السوريون لسنوات تحت ظلم الأسد، ولا سيما داخل السجون، معرباً عن سعادته بعرض الفيلم للمرة الأولى في دمشق.
وبين كايا أن إنجاز هذا العمل يهدف إلى إبقاء تلك الذاكرة حيّة في وجدان الناس، لأن نسيانها قد يفتح الباب لتكرارها، معرباً عن أمله في ألا تعيش الشعوب مثل هذه التجارب مجدداً، ومشيراً إلى أن الفنانين القادمين من تركيا يسعون من خلال أعمالهم إلى صون هذه الذاكرة الإنسانية ومنع اندثارها.
أما الناجية من الاعتقال فاطمة محمود الأحمد فأشارت في حديثها لمراسلة سانا إلى أنها نالت حريتها بعد التحرير بعد نحو عامين من الاعتقال هي وزوجها في أكثر من معتقل للنظام البائد وتعرضهما للعذاب، مؤكدة أن الفيلم الوثائقي اليوم يعكس جزءاً من تلك المعاناة، معتبرة أنها ولدت من جديد بحياة مختلفة ملؤها السعادة، وعادت لتلتقي عائلتها من جديد بعد حرمان طويل.
ويجيء عرض فيلم “سوريا السريالية” ضمن حراك ثقافي وفني متنامٍ في دمشق بعد مرحلة التحرير، يهدف إلى توثيق الذاكرة الجماعية للسوريين، وتسليط الضوء على تجاربهم خلال سنوات الحرب، من خلال أعمال سينمائية ووثائقية تسعى إلى المزج بين التوثيق الفني والبعد الإنساني، وإبقاء قضايا المعتقلين والانتهاكات حاضرة في الوعي العام.

