دمشق-سانا
ينسج الشاعر السوري محمد طه العثمان في ديوانه الجديد “عدنا إلى البلاد خياماً” تجربة شعرية تنبثق من واقع التهجير والمنفى، وتشتبك مع أسئلة الوطن والهوية وإشكاليات العودة.
وفي هذا العمل، لا يكتفي الشاعر بتسجيل أثر التحولات الكبرى في الوجدان الفردي، بل يسعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان ومكانه الأول، في ظل واقع يتغير باستمرار.
الوطن ذاكرة حيّة…وبنية الديوان خريطة للتجربة
يؤسس العثمان ديوانه على رؤية وجدانية عميقة، يتصدرها حضور الوطن كقيمة جامعة للانتماء والذاكرة، حيث يتكئ على الإهداء ليؤكد وفاءه للأرض والإنسان، مستحضراً تضحيات الشهداء وآلام الأمهات، في خطاب شعري يزاوج بين الخاص والعام.
ينقسم الديوان إلى محاور متعددة في شكل تجريبي عكس مراحل مختلفة من تجربة الشاعر:
الباب الأول: يركز على الذات الإنسانية، وما تعيشه من انكسارات وتحديات، في جدلية مستمرة بين الألم والأمل، حيث تتجلى محاولات التماسك والبحث عن معنى الوجود.
الباب الثاني (البلاد في اكتمال سمائها): يحضر فيه الوطن بوصفه مركز العاطفة والحنين، مع استدعاء الأمكنة والذكريات الأولى، وتكريس صورة العودة كحلم دائم.
الباب الثالث (على مقام النبوة): يتجه نحو البعد الروحي، حيث تتكثف الرمزية وتبرز النزعة التأملية المرتبطة بالقيم الدينية والسمو الإنساني.
الباب الرابع (بواكير): يضم نصوصاً مبكرة تكشف عن التشكّل الأولي لتجربة الشاعر، وتحمل ملامح البدايات التي أسست لصوته الشعري لاحقاً.
اللغة والروح والأرض… ثلاثية الحنين
يعتمد العثمان لغة شعرية مكثفة تجمع بين الجزالة والقدرة على توليد الدلالات، مستنداً إلى بنية عروضية متينة وتنوع في الأوزان يعكس تمكنه من أدواته الفنية، فيما يوظف أساليب بلاغية متعددة، كالاستعارة والطباق، لتشكيل صور موحية تعكس حالات الغياب والحنين والبحث عن الذات، وتفتح النص على أفق تأويلي رحب.
يحضر البعد الروحي في الديوان بوصفه مساراً موازياً للتجربة الإنسانية، حيث يسعى الشاعر إلى تحقيق توازن داخلي عبر التأمل والارتقاء بالقيم، مستحضراً مفاهيم النور والإيمان، بوصفها أدوات لمواجهة الألم والخذلان.
يتجلى الارتباط بالأرض كأحد أبرز ثيمات الديوان، حيث تتحول العودة إلى الوطن إلى هدف وجودي، حتى وإن جاءت في صورة رمزية، ويعكس هذا الارتباط حالة من التماهي بين الإنسان ومكانه الأول، بما يحمله من ذاكرة وحنين وأمل.
تتسم نصوص الديوان بكثافة شعورية واضحة، حيث تتداخل مشاعر الحزن والغياب مع الأمل والإصرار، في بناء شعري يعكس صراعاً داخلياً مستمراً، ويظهر هذا التوتر بوصفه محركاً أساسياً لتجربة الشاعر، ومصدراً لطاقته التعبيرية.
تجربة شعرية في فضاء المنفى
يمثل الديوان تجربة شعرية متكاملة، تعكس نضجاً فنياً وفكرياً، وتقدّم رؤية إنسانية عميقة تنبثق من معاناة المنفى والتهجير، ويؤكد حضور الشعر بوصفه مساحة للتعبير عن القضايا الوجودية، ووسيلة لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان ووطنه، بما يعزز قيم الصمود والأمل.
الديوان من إصدارات دار موزاييك للدراسات والنشر عام 2026، وجاء في (93) صفحة من القطع المتوسط.
نبذة عن المؤلف
محمد طه العثمان شاعر وناقد سوري من حلفايا في حماة، شغل منصب مدير مؤسسة موزاييك، وأول رئيس لاتحاد الكتّاب العرب في سوريا بعد التحرير، عمل أستاذًا للشعر الحديث في كلية الآداب بحماة، وأدار مدرسة سوريانا في أنطاكية (2014–2018).
حاز جوائز أدبية عدة، منها القوافي الذهبية (2025)، والشارقة للإبداع العربي (2016)، والبردة العالمية (2015)، صدر له عدد من المؤلفات النقدية والشعرية، إضافة إلى رواية حربلك، وشارك في مهرجانات عربية ودولية، وأسّس فعاليات ثقافية، منها ملتقى الدوحة الشعري والمهرجان الثقافي العربي في إسطنبول.