دمشق-سانا
قبل أن يخطو الزائر نحو أجنحة معرض دمشق الدولي للكتاب، تستوقفه تجربة مختلفة تبدأ منذ اللحظة الأولى لدخوله، حيث يتوسط الساحة الرئيسية رواق بصري واسع يقدم رحلة زمنية في محطات الثقافة السورية ومسيرتها الطويلة مع الكلمة.

تتوزع في الرواق لوحات كبيرة وشاشات عرض متتابعة ترسم سردية تبدأ من أوغاريت، مهد الأبجدية الأولى، وصولاً إلى سوق الكتب في حي الحلبوني، مروراً بمحطات تاريخية أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي السوري.
الثقافة بين الازدهار والتقييد
تقدم البوسترات سرداً بصرياً لمرحلة الازدهار الثقافي التي عاشتها سوريا قبل ترسيخ الحكم الشمولي، حين كانت الصحافة حرة، والأحزاب متعددة، والمسرح والأدب والفنون في أوج نشاطها، ما جعل دمشق وحلب مركزين ثقافيين بارزين في العالم العربي.

ويوثق الرواق سنوات تقييد الحريات الثقافية خلال حقبة النظام البائد، حين خضعت الكلمة للرقابة، وأُجبر كثير من المثقفين على الصمت أو الهجرة، وتحول الكتاب من أداة تعبير إلى شاهد على الخوف، وتعرض اللوحات كيف بقي الكتاب رمزاً للحرية حتى في لحظات الإخفاء والمنع، في تأكيد على أن الأفكار لا يمكن اعتقالها مهما اشتدت القيود.
مكتبة داريا… الثقافة تقاوم تحت الحصار

ومن أبرز محطات الرواق قصة “مكتبة داريا السرّية” التي أنشأها شبان خلال حصار المدينة، حيث جمعوا الكتب من تحت الأنقاض وحولوها إلى مساحة للقراءة والتعلم والأمل وسط القصف والخوف، ورغم انتهاء التجربة، بقيت المكتبة رمزاً للمقاومة الثقافية والإيمان بقوة المعرفة.
كما يستعرض الرواق مظاهر الحراك الثقافي في المناطق المحررة شمال سوريا، حيث عاد الفكر ليتنفس بحرية، ممهداً لولادة مشهد ثقافي جديد يتجاوز قيود القمع والزمن.
وتختتم الرحلة البصرية برسالة مفادها أن الكلمة التي حاول القمع اعتقالها عادت حرة، وأن الثقافة السورية تجدد حضورها عبر المبادرات والفعاليات الفكرية، في مشهد يعكس عودة الحياة إلى البلاد.
تنظيم يستقبل آلاف الزوار
وعند مدخل الرواق، يستقبل قسم الاستعلامات الزوار ويوجههم داخل المعرض، وأوضح حسين الحسن من فريق الاستعلامات أن القسم يستقبل يومياً آلاف الزائرين، ويوجههم إلى دور النشر والأقسام المختلفة، ويقدم المساعدة للطلاب والوفود العربية والأجنبية والعائلات، مؤكداً أن القسم يشكل نقطة الانطلاق الأساسية التي تهيئ الزائر قبل دخوله الأجنحة.
انطباعات الزوار

رأى الزائر أحمد إدريس القادم من اللاذقية أن الرواق يقدم “لفتة جميلة” تعرّف الزائر بتاريخ سوريا الثقافي قبل دخوله المعرض، ما يمنحه تصوراً يساعده على فهم مضمون الأجنحة.

أما الطالبة زينب المقداد من بصرى الشام، فأكدت أن الرواق ساعدها في التعرف إلى الثقافة السورية وفنونها وتاريخها، إضافة إلى دوره الإرشادي داخل المعرض.

وذكرت الطالبة فرح نصر من ريف دمشق أن بدء الجولة من الرواق منحهم رؤية عامة عن الثقافة السورية قبل الانتقال إلى عالم الكتب.

في حين عبّرت الطفلة شريفة حاج حسن (11 عاماً) القادمة من إدلب عن إعجابها بالرواق، لما يقدمه من صور وقصص عن حضارة أوغاريت والثورة.
بهذا المشهد، يتحول رواق مدخل معرض الكتاب إلى نص بصري يقرؤه الزائر في حكاية تبدأ بالأبجدية الأولى، وتمر بسنوات القيد، وتنتهي بإعلان انتصار الكلمة السورية وقدرتها على البقاء.