دمشق-سانا
في زحام معرض دمشق الدولي للكتاب، كانت الطفلة الصغيرة القارئة وتين المصري تجول في أرجاء جناح الطفل، لا تبحث عن لعبةٍ تلمع، بل عن فكرةٍ تَشِع.
قَدِمَتْ وتين من محافظة درعا حاملةً معها شغفاً للقراءة وأسئلة تبحث عن إجاباتها بين رفوف الكتب، وكان معرض دمشق الدولي للكتاب بالنسبة لها كوناً موازياً، ففتحتْ دفتي كل كتاب باباً إلى عالم مختلف.
تقول وتين لـ سانا: إنها جاءت خصيصاً من محافظتها إلى معرض دمشق لتشتري الكتب، فلم تكن الكتبُ عندها مجرد أوراق، بل كانت عالماً جميلاً، لأن الجمال في عينيها يبدأ حيث تبدأ الحكاية، وحيث تُطرَق أبوابُ المعرفة.
كانت وتين تتنقل بين أروقة جناح الطفل وتنتقي كتباً تربوية ودينية وثقافية بنفس بريء، لكنه نفسٌ يعرف أن للكلمة وَزْنًا، وللفكرةِ سُلطةً على المصير.
وتينُ لم تكن قارئةً عابرة، بل كانت عاشقة للغة الضاد، حيث شاركت في مسابقة تحدي القراءة العاشر، وحفظت للإمام الشافعي وللشاعر المتنبي، وطوّفت في مئة كتاب، واستخرجت من كلٍّ جوهرةً تستحق أن تُكتب بماء الذهب، قالت ذلك بعينين تشعان
كما تشع نجمةٌ، وكأنها تدرك أن النور يُختَزن في السطور قبل المصابيح.
لكنّ روحها الصغيرة كانت تحمل مقارنةً عميقة فقالت: “دورة هذا المعرض مختلفة”، لأنها هذه المرة.. بنكهة الحُرية والتي حملت كلّ المعنى، فللحريةُ طعمٌ، ورائحةٌ، ولونٌ، والحريةُ أن تقرأ ما تشاء دون خوف، وأن تحلم بما تريد دون قيود.
هذه الطفلة القادمة من مدينة عانتْ وصبرتْ تقف اليوم في قلب العاصمة دمشق، ترفع سلاحها الأقوى: كتاباً، وتقول لكلّ طفلٍ يلهو بشاشةٍ باردة: “أشجعكم على المطالعة والقراءة”.
وتين المصري ذات السبع سنوات.. لم تزُر المعرض فقط، بل استخرجت من هذه الزيارة في داخلها وطناً مؤقتاً للفكر، وهي لم تشترِ كتباً فقط، بل اشترت مستقبلًا، من درعا إلى دمشق، من ألمٍ إلى أمل، من طفلةٍ إلى قارئةٍ.. تُثبت لنا أن الحرب قد تطحن الحجارة، لكنها لم تستطع أن تطحن حرفاً يشرق من عينَي طفلة تؤمن أن الكتب “جَمِيلةٌ كلها”، وأن الحرية.. نَكْهةٌ لا تُنسى.





