دمشق-سانا
يمثل الشاعر إبراهيم عبد الحميد الأسود تجربةً شعريةً متفردةً في المشهد الأدبي السوري والعربي، حيث تنبثق قصيدته من بيئة الفرات، وتستمد قوتها من عمق التجربة الإنسانية واللغوية.
تجربة الأسود حظيت باهتمام عدد من النقاد والأدباء الذين قدّموا قراءات وشهادات رأت فيه شاعراً استثنائياً، جمع بين الفطرة الشعرية والقدرة الفنية العالية، ما جعله حاضراً بقوة في الذاكرة الثقافية.
من هجين إلى فضاء القصيدة
وُلد إبراهيم الأسود عام 1952 في قرية هجين المتربعة على ضفاف الفرات في محافظة دير الزور، حمل في شعره ثراءً معجمياً زاخراً، يستنهض بشعره عزيمة أمة، مستلاً سيفاً من الكلمات، حتى غدا شعره مرآةً لروحه، يعكس روعة اللغة وجمالية البديع.
وفي هذه الحالة الشعرية الفريدة، رصدت سانا الثقافية آراء عدد من الشهادات الأدبية التي أشادت بإنجازات الشاعر وإبداعاته وتجربته.
ماء الشعر الصافي

وصف الكاتب عيسى الشيخ حسن الشاعر إبراهيم الأسود، خلال دراسة نشرتها جريدة الأسبوع الأدبي، بأنه «نهر فرات يصهل موجةً بعد موجة»، مستعيداً وصفاً أطلقه على الشاعر الناقد الدكتور فايز الداية قبل ثلاثين عاماً بأنه «شابّ فراتي يتفجّر ينبوعاً شعرياً صافياً»، في إشارة إلى غزارة إنتاجه وصدق نبرته الشعرية.
وفي شهادته عن الشاعر إبراهيم الأسود، أشار الناقد المصري الدكتور سعد مصلوح إلى أن قصيدته تأخذ القارئ إلى آفاق واسعة من الخيال، حيث يلمس صفاء الشعر ورقّته وعذوبته في كلماته، وتتناغم موسيقاها بإيقاع متقن وأداء رفيع.
ورأى أن الشاعر يمتلك قدرة واضحة على التنقّل الرشيق بين المقامات، وإبداع الزخرف النغمي بأسلوب أنيق، ما يعكس إلماماً بأسرار الصنعة الشعرية لدى كبار الشعراء.
البدوي الأصيل.. ذاكرة شخصية
استعاد الدكتور محمد الغدو ذاكرته مع الشاعر، فقال: “إنه كان يدرّس في مدينة هجين عام 1993، وحين أخبره أحد زملائه بزيارة شاعر غير متعلم جامعياً ولا يحمل حتى الشهادة الإعدادية، دفعه الفضول للقائه”.
ويتابع الغدو: إن إبراهيم الأسود استقبله بحفاوة البدوي الأصيل، وحين ألقى عليه أبياتاً من نظمه أبهرته، ما دفعه للتساؤل عن مصدرها، ليكتشف شاعراً مطبوعاً ينظم الشعر بألفاظ المتنبي وأبي تمام، ويصف بطريقة البحتري، ويهجُو بسخرية ابن الرومي.
شاعر المفارقات والتناقض
الباحث في النقد الأدبي الدكتور البراء خالد هلال اعتبر أن إبراهيم الأسود عايش حياة مليئة بالتناقضات، فتجمعت تحت جلده شخصيات متضاربة، نتيجة البيئة التي نشأ فيها والظروف الاجتماعية والسياسية التي عاشها.
وأشار إلى أن بلدته هجين عانت تهميشاً سياسياً واقتصادياً على امتداد حكم البعث في سوريا، ما أسهم في تكوين شخصية شعرية متمردة منذ البدايات، وهو ما انعكس في نصوصه التي عبّر فيها عن موقفه الفكري والإنساني.
شاعر من الطبقة الأولى
يرى الشاعر عبد المنعم الجاسم أن إبراهيم الأسود شاعر من الطبقة الأولى، مستشهداً بأبيات من قصيدة طويلة للشاعر، يرى فيها سيرة ذاتية لما يكتب الأسود، ويؤكد الجاسم أن الشاعر قد يتفرّد في هذه الطبقة، وليس ثمّة شاعر معاصر يقدر على الإتيان بمثل الذي يأتي به، معتبراً أن الجواهري قد يكون الأقرب إليه.
قروي يرتدي عباءة امرئ القيس
وصف الدكتور عواد جاسم الجدي الباحث في التراث والشعر، الشاعر إبراهيم الأسود، بالقروي الذي يرتدي عباءة امرئ القيس، مستعيداً محطات من ذاكرته، بدءاً من بدايات الشاعر مع الخط العربي والرسم، مروراً بقصة لوحته المرسومة بالأشجار، (لا إله إلا الله محمد رسول الله) والتي سُرقتْ وطُبعت، وبيعت كلوحة طبيعية وجدها المصور في إحدى الغابات الأوروبية، وصولًا إلى جريدة القبس الكويتية التي نشرت عام 1979 عنواناً رئيسياً: «قروي يرتدي عباءة امرئ القيس»، في الصفحة الثقافية التي كان يحررها الشاعر أحمد مطر.
سيرة ومسيرة
الشاعر إبراهيم الأسود عضو في اتحاد الكتاب العرب، رابطة الأدب الإسلامي العالمية، رابطة أدباء الشام، وجمعية الشعر في دمشق، صدر له (31) ديواناً مطبوعاً، وثلاث روايات، إضافة إلى كتب بحثية وأدبية ودواوين شعرية لا تزال مخطوطة.
شارك في مهرجانات دولية وأمسيات شعرية في سوريا والكويت وتركيا والإمارات، كما نال عدة جوائز أدبية، أبرزها الجائزة الأولى في مهرجان أجمل قصيدة في سوريا عام 1987، والجائزة الأولى في مسابقة البردة في أبو ظبي عام 2007.
عمل باحثاً في مؤسسة جائزة عبد العزيز البابطين للإبداع الشعري في السعودية بين عامي 2007 و2010 ضمن مشروع معجم شعراء القرنين التاسع عشر والعشرين، ومدققاً لغوياً في دار بلاتينيوم للطباعة والنشر في دولة الكويت، وأسهم في تصحيح ومراجعة عدد كبير من الكتب والتصانيف والدراسات والرسائل العلمية.