دمشق-سانا
قبل سنوات قليلة، كان مجلس الأمن يعقد جلساته لمناقشة المأساة السورية، بينما كانت فرق الإنقاذ السورية تبحث بين الركام عن ناجين بعد الحروب والكوارث.
أما اليوم فتعود سوريا إلى المجلس بصورة مختلفة؛ دولة ترسل فرقها المتخصصة إلى فنزويلا للمشاركة في إنقاذ ضحايا الزلازل، في تحول اختصره مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي بقوله: إن مجلس الأمن كان يجتمع لمناقشة سوريا وهي تحت الأنقاض، بينما ترسل اليوم فريقاً من الدفاع المدني للمشاركة في أعمال البحث والإنقاذ للعالقين تحت الأنقاض في فنزويلا.
وجاءت تصريحات علبي خلال جلسة لمجلس الأمن، أمس الثلاثاء، أكد فيها أن سوريا تشهد تحولاً تاريخياً صنعه السوريون بإرادتهم وتضحياتهم، مشيراً إلى أن البلاد انتقلت من ساحة للنزاعات إلى جسر يربط بين قارات العالم.
من الألم إلى الخبرة
ولم يكن إرسال فريق الإنقاذ السوري إلى فنزويلا مجرد مهمة إنسانية خارجية، بل يمثل امتداداً لتجربة قاسية عاشها السوريون خلال زلزال السادس من شباط 2023، حين واجهت فرق الإنقاذ واحدة من أصعب الكوارث في تاريخ البلاد الحديث.
ففي تلك الأيام، كانت مناطق واسعة من شمال سوريا تعيش سباقاً مع الزمن لإنقاذ العالقين تحت الأنقاض، بينما عمل رجال الإنقاذ والأهالي بإمكانات محدودة وفي ظروف بالغة الصعوبة، بعد أن تأخر وصول كثير من فرق المساعدة الدولية إلى المناطق المنكوبة، لتولد من تلك المحنة خبرة ميدانية أصبحت اليوم محل تقدير دولي.
وأكد وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، أن سوريا لا تنسى ألمها، لكنها تحوله إلى تضامن مع الشعوب الأخرى، مشيراً إلى أن الفريق الذي توجه إلى فنزويلا يضم عناصر شاركوا في الاستجابة لزلزال 2023، وأن إنقاذ الأرواح واجب إنساني يتجاوز الحدود والجغرافيا والسياسة.
أول مهمة خارج الحدود
وبتوجيه من الرئيس أحمد الشرع، أوفدت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث في الـ27 من حزيران الماضي فريقاً دولياً مؤلفاً من 15 متخصصاً في البحث والإنقاذ إلى العاصمة الفنزويلية كراكاس، للمشاركة في عمليات البحث والإنقاذ والإغاثة عقب الزلزالين اللذين ضربا البلاد في الرابع والعشرين من الشهر نفسه.
وعمل الفريق السوري بالتنسيق مع السلطات الفنزويلية، إلى جانب فريق البحث والإنقاذ الدولي التابع لقوة الأمن الداخلي القطرية “لخويا”، إضافة إلى 26 فريقاً من مختلف دول العالم، في أول مشاركة خارجية لفريق إنقاذ سوري، ما أتاح له أيضاً تبادل الخبرات وتعزيز التنسيق مع فرق الاستجابة الدولية.
تكريم يعكس الثقة
ولاقت مشاركة الفريق السوري تقديراً واسعاً من الحكومة الفنزويلية، التي كرمت الجمهورية العربية السورية ومنحتها وسام “أبطال فنزويلا”، كما كرمت أعضاء الفريق تقديراً لجهودهم في عمليات البحث والإنقاذ.
وأكد قائد الفريق وسام زيدان أن المهمة شكلت تجربة مهنية وإنسانية مهمة، وأسهمت في تطوير قدرات الفريق وتعزيز جاهزيته للاستجابة للكوارث، مشدداً على أن العمل الإنساني رسالة تتجاوز الحدود والخلافات.
رسالة تتجاوز السياسة
ويرى مراقبون أن مشاركة سوريا في عمليات الإنقاذ خارج حدودها تحمل دلالات تتجاوز بعدها الإنساني، إذ تعكس تحولاً في حضورها الدولي، وانتقالها من دولة كانت تتصدر اجتماعات مجلس الأمن بسبب الحرب والأزمات الإنسانية، إلى دولة تشارك في جهود الاستجابة للكوارث، إلى جانب عشرات الفرق الدولية.
وتكتسب تصريحات علبي في مجلس الأمن أهميتها لأنها لم تقتصر على المقارنة بين مرحلتين، بل قدمت صورة مكثفة لمسار شهدته سوريا خلال السنوات الماضية؛ من بلد كانت صور أنقاضه تملأ شاشات العالم، إلى بلد يوظف الخبرة التي اكتسبها وسط تلك الأنقاض لإنقاذ أرواح في قارة أخرى.
من تحت الأنقاض إلى مدّ يد العون
وبين زلزال ضرب المدن السورية عام 2023، وآخر أصاب فنزويلا عام 2026، تبدو رحلة فرق الإنقاذ السورية أكثر من مجرد مهمة إنسانية؛ فهي قصة خبرة ولدت من المعاناة، وتحولت إلى رسالة تضامن تتجاوز الحدود، ولعل الصورة التي رسمها مندوب سوريا في مجلس الأمن تختصر هذه الرحلة بأبلغ تعبير: من سوريا التي كانت تحت الأنقاض… إلى سوريا التي تمد يد العون للآخرين.