محكمة نمساوية تقضي بسجن ضابطين سابقين في النظام البائد ثماني سنوات

فيينا-سانا

أصدرت المحكمة الإقليمية الجنائية في العاصمة النمساوية فيينا اليوم الإثنين، حكماً يقضي بإدانة الضابطين السابقين في أجهزة أمن النظام البائد، خالد الحلبي ومصعب أبو ركبة، والحكم على كل منهما بالسجن لمدة ثماني سنوات، إثر ثبوت تورطهما في ارتكاب جرائم تعذيب وانتهاكات بحق معتقلين في محافظة الرقة بين عامي 2011 و2013.

IMG 4794 محكمة نمساوية تقضي بسجن ضابطين سابقين في النظام البائد ثماني سنوات

وجاء النطق بالحكم في ختام جلسات محاكمة علنية استمعت خلالها الهيئة القضائية إلى شهادات حيّة أدلى بها ناجون من معتقلات النظام البائد، وعدد من الشهود والخبراء، إلى جانب مراجعة دقيقة لملفات ووثائق وأدلة دامغة قدمتها النيابة العامة، وذلك في إطار إعمال مبدأ الولاية القضائية العالمية الذي يتيح للقضاء النمساوي ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية الخطيرة بغض النظر عن مكان ارتكابها.

تفاصيل الإدانة والحيثيات القانونية

أدانت المحكمة المدعو خالد الحلبي، الذي شغل سابقاً منصب رئيس فرع أمن الدولة التابع للنظام البائد في محافظة الرقة، بجرائم التعذيب والإكراه الجسدي والجنسي والتسبب بإصابات بدنية جسيمة، في حين أدانت المدعو مصعب أبو ركبة بجرائم الإكراه الجسدي والجنسي وإلحاق الأذى الجسيم بالمعتقلين.

وقررت المحكمة احتساب مدة التوقيف الاحتياطي للمدانين من إجمالي العقوبة الصادرة، مع إلزامهما بدفع تعويضات مالية للمتضررين، وإحالة بقية المطالبات المدنية إلى القضاء المدني المتخصص وفقاً للإجراءات القانونية المرعية.

واستعرضت المحكمة خلال محطاتها القضائية إفادات قاسية قدمها ضحايا ناجون، وصفوا فيها أساليب الضرب المبرح، والصعق بالكهرباء، والتعليق لفترات طويلة، مؤكدين أن التعذيب كان يُمَارس كسياسة ممنهجة داخل الأفرع الأمنية للنظام البائد.

شهادات الناجين

IMG 4785 محكمة نمساوية تقضي بسجن ضابطين سابقين في النظام البائد ثماني سنوات

وفي هذا السياق، أفاد المعتقل السابق وأحد الشهود الرئيسيين في القضية، محمد الحاج، في شهادته أمام المحكمة، بأنه جرى اعتقاله إثر مشاركته في المظاهرات السلمية بمدينة الرقة واقتياده إلى فرع أمن الدولة حيث واجه أبشع صنوف التنكيل.

وأكد الحاج أن المدعو أبو ركبة كان يشرف مباشرة على عمليات تعذيب المعتقلين، مشيراً إلى أنه تمكن برفقة ضحايا آخرين من التعرف على الهوية الأمنية للمدانين “أبو ركبة والحلبي” بعد مصادفتهم بشكل مفاجئ داخل مركز استقبال طالبي اللجوء في منطقة “ترايسكيرشن” بالنمسا، ما دفعهم لإبلاغ السلطات النمساوية فوراً وبدء الملاحقة القضائية بحقهم.

وفي تصريح خاص لوكالة سانا، أكد محمد الحاج أن صدور هذا الحكم يمثل محطة مهمة لإنصاف الضحايا وتحقيق العدالة، مضيفاً: “نحيي جميع الشهود والمنظمات الحقوقية والخبراء الذين واكبوا هذه القضية على مدار أكثر من اثني عشر عاماً، ورغم أننا كنا نأمل بعقوبة أشد تتناسب وحجم الفظائع المرتكبة، إلا أننا نحترم قرار القضاء النمساوي الذي أظهر نزاهة واضحة”.

ترحيب حقوقي

من جانبها، أعربت المحامية النمساوية ناديا لورنتسين، وكيلة اثنين من الضحايا، في تصريح خاص لوكالة سانا، عن رضاها عن قرار الإدانة، مشيرة إلى أن المحكمة لم تكتفِ بشهادات الضحايا، بل استندت إلى ترسانة من الأدلة والتقارير الموثقة الصادرة عن منظمات دولية أبرزها “هيومن رايتس ووتش” ولجنة العدالة والمساءلة الدولية (CIJA)، فضلاً عن تناقض أقوال المتهمين أنفسهم.

ونوهت لورنتسين بأن رئيس المحكمة شدد في حيثيات الحكم على أن المدانين لم يكتفيا بالامتناع عن منع الجرائم، بل انخرطا فيها بصورة مباشرة وفاعلة، مؤكدة أن الحكم يوجه رسالة صارمة لمرتكبي الانتهاكات بأنه لا مفر من المساءلة والمحاسبة.

وتعد هذه القضية أحدث محاكمة في أوروبا لمسؤولين سابقين في النظام البائد بتهم ارتكاب جرائم خلال الثورة السورية، استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يجيز ملاحقة مرتكبي الجرائم الجسيمة، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بصرف النظر عن مكان ارتكابها أو جنسية المتهمين والضحايا.

وشهدت الأشهر الماضية عدداً من المحاكمات المشابهة في أوروبا، إذ أصدرت محكمة في لاهاي في 16 حزيران الماضي حكماً بالسجن 26 عاماً بحق القيادي السابق في ميليشيا الدفاع الوطني التابعة للنظام البائد رفيق القطريب، بعد إدانته بارتكاب 19 جريمة ضد الإنسانية وجرائم حرب في مدينة السلمية ومحيطها بين عامي 2013 و2014.

كما بدأت محكمة ويستمنستر الجزئية في لندن خلال آذار الماضي محاكمة العقيد السابق في المخابرات الجوية التابعة للنظام البائد سالم السالم بتهم القتل وارتكاب جرائم ضد الإنسانية والتعذيب، في قضية وصفت بأنها سابقة قضائية في بريطانيا.

وفي ألمانيا، باشرت محكمة في برلين خلال آذار الماضي محاكمة متزعم ميليشيا موالية للنظام البائد في حلب، المعروف بـ”أنور. س”، بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وقتل متظاهرين وتسليم محتجزين إلى أجهزة أمنية تعرضوا فيها للتعذيب وسوء المعاملة، فيما بدأت المحكمة الإقليمية العليا في كوبلنز خلال نيسان الماضي محاكمة عنصر الأمن السابق “فهد. أ” بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية على خلفية مشاركته في تعذيب معتقلين في دمشق خلال سنوات الثورة السورية.

مشاركة هذه المقالة