عمان-سانا
بينما كان المشيعون ينتظرون إخراج جثامين موتاهم إلى المقبرة في كنيسة مار جرجس بمحافظة الكرك الأردنية، لم يخطر ببال غيث الهلسة أن لحظات الوداع ستتحول إلى مشهد من الرعب والدماء، بعدما باغتهم مسلحون بإطلاق النار، في هجوم خلّف قتلى وجرحى، وترك ألماً عميقاً في نفوس الناجين وذوي الضحايا.
ويروي الهلسة، أحد الناجين من الهجوم الذي استهدف المشاركين في الجنازة اليوم الجمعة، تفاصيل اللحظات الأولى للاعتداء وقال لـ “سانا”: “كنا نقف في الخارج عند ساحة الكنيسة، وننتظر إخراج جثامين المتوفين، وفجأة هاجمنا ثلاثة أو أربعة إرهابيين، وبدأوا إطلاق النار علينا”.
ويضيف أن الصدمة كانت أكبر من أن يستوعبها الحاضرون في البداية، إذ لم يعتقدوا أن ما يسمعونه هو أصوات إطلاق نار، بل ظنوا أن أجزاء من الكنيسة القديمة، التي يعمل الأهالي على إعادة بنائها، تتساقط، ولم يتصوروا أن تتحول ساحة الكنيسة إلى مسرح لهجوم مسلح، ولا سيما أن مثل هذه الحوادث لم تكن مألوفة في المنطقة.
جراح تتجاوز حدود الفقد
لم يكن وقع الهجوم على الهلسة مجرد صدمة عابرة، بل امتد إلى محيطه العائلي، بعدما أصيب عمه في الاعتداء، وكان عدد من الضحايا من أقاربه، لتتداخل في ذاكرته مشاهد العنف مع ألم فقدان الأحبة والخوف على المصابين.
ويصف الناجي مشهد الدماء والأشلاء بأنه “مؤلم وصادم للغاية”، مستحضراً حجم الفاجعة التي أصابت العائلات، ومؤكداً أن الضحايا، سواء كانوا من عمان أو من مناطق أردنية أخرى، هم أهل وأقارب، وأن ما يجمع أبناء المجتمع أكبر من أي محاولة لبث الفرقة بينهم.
وفي مقابل مشاهد الألم، يستحضر الهلسة سرعة استجابة السكان الذين سارعوا إلى مساعدة المصابين، ووقفوا إلى جانب الجرحى وذوي الضحايا، معرباً عن شكره وتقديره لهذه المواقف التي عكست، بحسب شهادته، روح التضامن والتكافل في المجتمع الأردني.
الكرك ترفض الفتنة والتمييز
لم تقتصر تداعيات الاعتداء على الناجين وأسر الضحايا، بل امتد الحزن إلى أبناء محافظة الكرك، الذين عبّروا عن رفضهم للهجوم، مؤكدين أن استهداف المشاركين في جنازة داخل كنيسة يتنافى مع قيم المجتمع الأردني وروابط الأخوة التي تجمع أبناءه.
وقال عمر القطاونة، من منطقة المرج في مدينة الكرك، لـ”سانا”: إن أبناء المنطقة تلقوا ببالغ الأسى نبأ الهجوم الذي استهدف كنيسة في منطقة حمود، وأسفر عن وقوع ضحايا، مشدداً على أن هذا الاعتداء غريب عن طبيعة المجتمع في الكرك والأردن عموماً، حيث لا تمييز بين المسلمين والمسيحيين وسائر مكونات المجتمع.
من جهته، عبّر قصي أحمد موسى القطامنة عن حزنه العميق إزاء ما جرى، مؤكداً أن أبناء المجتمع الأردني ينظرون إلى بعضهم بوصفهم إخوة وأبناء وطن واحد، تجمعهم المحبة والانتماء، وأن ما شهدته الكرك يمثل اعتداءً على هذه الروابط الإنسانية والوطنية.
وأضاف القطامنة أن أبناء المحافظة اعتادوا الوقوف صفاً واحداً في مواجهة المحن، والتمسك بروابط الأخوة والمحبة، رافضاً أي محاولة لإثارة التفرقة بين مكونات المجتمع.
بدوره، قال مراد العبيسات، أحد أبناء محافظة الكرك، لـ “سانا”: إن نبأ الهجوم أثار حزناً وألماً كبيرين، لما يمثله من تهديد لأمن الوطن وسلامة أبنائه، مؤكداً أن هذا العمل الإرهابي لا يمثل قيم المجتمع الأردني ولا يعبر عن مبادئه.
وشدد العبيسات على التضامن مع العائلات التي فقدت أحباءها أو أصيب أفراد منها، مؤكداً أن الأردنيين يجمعهم الانتماء إلى وطن واحد، ومطالباً بمحاسبة المسؤولين عن الهجوم وفقاً للقانون والإجراءات القضائية.
حصيلة دامية ومطالب بالعدالة
وكانت مديرية الأمن العام الأردنية أعلنت، في بيان، مقتل سبعة أشخاص وإصابة 34 آخرين، جراء إطلاق مسلحين النار داخل كنيسة خلال مراسم جنازة في محافظة الكرك.
وبينما تتواصل تداعيات الاعتداء على المستوى الإنساني، تعكس شهادات الناجين وأبناء المنطقة حجم الصدمة التي خلّفها الهجوم، إلى جانب تمسكهم بالتضامن بين مكونات المجتمع، وسط مطالب بمحاسبة المسؤولين عن الاعتداء وتحقيق العدالة للضحايا وذويهم.