دمشق-سانا
تتجه وزارة العدل في سوريا إلى تفعيل الوساطة القضائية ضمن منظومة العدالة، كمسار قانوني ودي لتسوية المنازعات وتخفيف أعباء التقاضي، مع إطلاق منصة إلكترونية وطرح مشروع قانونها للنقاش المجتمعي.
منصة الوساطة.. مسار إلكتروني للتسوية الودية
وأطلقت وزارة العدل في 21 آب الجاري منصة الوساطة القضائية، بهدف تعزيز ثقافة التسوية الودية للمنازعات، وترسيخ الوساطة بوصفها مساراً مرناً وفاعلاً للوصول إلى حلول توافقية، بما يعزز الوصول إلى العدالة.
ووصفت وزارة العدل المشروع الوطني للوساطة القضائية بأنه يفتح باباً جديداً لحل الخلافات ودياً وبالتراضي، ويشجع على اعتماد التفاهم ويحمي العلاقات العائلية والتجارية، مؤكدة أن الوساطة لا تلغي القضاء، وإنما تسانده وتوفر الوقت والجهد.
وأوضحت الوزارة أن خطة العمل شملت صياغة مسودة القانون، وتدريب وتأهيل القضاة والوسطاء، وافتتاح مكاتب للوساطة في المحاكم، إلى جانب المنصة الرقمية.
ماذا تشمل الوساطة؟ من النزاعات المدنية إلى بعض القضايا الجزائية
وتبرز أهمية الوساطة في اتساع نطاق النزاعات التي يمكن أن تعالجها، إذ أوضح المحامي والباحث القانوني فراس حاج يحيى في تصريح لـ”سانا” أن القضايا المنظورة أمام القضاء لا تقتصر على قضايا الأمن العام أو العدالة الانتقالية، وإنما تشمل نزاعات مدنية وعقارية وتجارية وأسرية وقضايا الميراث، وقد يستغرق حسم بعضها سنوات ضمن المسار القضائي التقليدي.
وأشار حاج يحيى إلى أن الوساطة توفر مساراً قانونياً ودياً لحل الخلافات تحت مظلة القضاء، بما يسهم في تسريع الفصل في القضايا، وتخفيف الضغط عن المحاكم، واختصار زمن التقاضي وتكاليفه، إلى جانب الحفاظ على العلاقات الاجتماعية والتجارية من خلال حلول ترضي الأطراف وتحفظ حقوقهم.
ولفت إلى أن نطاق الوساطة يمكن أن يمتد، وفق مشروع القانون المطروح، إلى بعض النزاعات الجزائية، بما يتيح للمتهم الاستفادة من إسقاط الحق الشخصي، إضافة إلى العذر المخفف في حال نجاح الوساطة.
كيف تعمل الوساطة؟.. وسيط يقرب وجهات النظر ولا يفرض حلاً
وتقوم الوساطة على وجود طرف ثالث محايد يساعد المتنازعين على الحوار والتفاوض وتقريب وجهات النظر للوصول إلى تسوية يرضى بها الطرفان، من دون أن يمتلك الوسيط صلاحية فرض أي حل.
وأوضح عضو إدارة التشريع القاضي الدكتور أحمد نجيب أن الوساطة تختلف عن القضاء والتحكيم؛ فالقاضي يصدر حكماً ملزماً، والمحكم يصدر حكماً تحكيمياً، بينما تبقى إرادة الأطراف هي الأساس في الوساطة.
وبذلك لا يتولى الوسيط الفصل في النزاع، وإنما يدير الحوار ويساعد الأطراف على الوصول بأنفسهم إلى حل توافقي، مع بقاء حق الأطراف في اللجوء إلى القضاء في حال عدم التوصل إلى تسوية مرضية.
الحياد والسرية.. صمام أمان في جلسات الوساطة
وتشكل حماية حقوق أطراف النزاع إحدى الركائز الأساسية لنجاح الوساطة، إذ شدد المحامي خالد بكر على أن أهم الضمانات تتمثل في حياد الوسيط وقبول الطرفين به، وانتفاء تضارب المصالح، إضافة إلى مبدأ السرية.
وأوضح أن ما يجري خلال جلسات الوساطة، في حال عدم التوصل إلى اتفاق، لا يجوز الاحتجاج به أمام المحكمة أو تسريبه، بما يوفر للأطراف مساحة آمنة للحوار وطرح المقترحات بحثاً عن تسوية توافقية.
من تخفيف أعباء المحاكم إلى تحسين بيئة الاستثمار
ولا تقتصر آثار الوساطة على المجال القضائي، إذ يمكن أن تمتد إلى البيئة الاقتصادية والاستثمارية، من خلال توفير آليات أكثر مرونة لمعالجة النزاعات المرتبطة بالنشاط التجاري والاستثماري.
وأشار المحامي حاج يحيى إلى أن الوساطة يمكن أن تسهم في تشجيع النشاط الاقتصادي والاستثماري، مؤكداً أهمية أن يتوازى قانون التحكيم القائم مع قانون للوساطة.
وأوضح أن المستثمر لا يعنيه عند اتخاذ قرار الاستثمار مستوى الضرائب والأمن والأمان فقط، وإنما يهتم أيضاً بآلية معالجة النزاعات التي قد تنشأ بينه وبين مورد أو شركة أخرى، أو في العقود المرتبطة بالدولة، ومدى إمكانية حلها بعيداً عن إجراءات قانونية وقضائية طويلة.
من المؤتمر إلى القانون.. حوار وطني حول الوساطة

وسبق إطلاق المنصة تنظيم وزارة العدل في 18 آب الجاري المؤتمر الوطني الأول للوساطة القضائية في دمشق، بمشاركة وزراء ومسؤولين وخبراء وقضاة وحقوقيين وأعضاء في مجلس الشعب، لبحث دور الوساطة في تطوير منظومة العدالة وتفعيل وسائل بديلة ومرنة لتسوية المنازعات.
وناقش المؤتمر محاور تتعلق بأثر الوساطة في دعم البيئة الاستثمارية والإصلاح الأسري، والتجارب الدولية، وآليات تفعيلها بما يتناسب مع البيئة القانونية والقضائية في سوريا، كما شكل خطوة في إعداد إطار وطني متكامل لقانون الوساطة القضائية.

وأكد وزير العدل مظهر الويس أن الوزارة تسعى من خلال هذا المسار إلى إطلاق حوار وطني حول مفهوم الوساطة قبل إحالة مشروع القانون إلى مجلس الشعب، بما يتيح لمختلف الجهات المعنية المشاركة في مناقشته وتطويره.
استبيان وطني.. مشاركة مجتمعية في صياغة قانون الوساطة
وفي 21 آب الجاري، أطلقت وزارة العدل الاستبيان الوطني حول مشروع قانون الوساطة في سوريا، داعية القضاة والمحامين وأعضاء الهيئة التدريسية والباحثين والجهات الاقتصادية ومنظمات المجتمع المدني وجميع المهتمين إلى تقديم آرائهم وملاحظاتهم ومقترحاتهم قبل اعتماد المشروع بصيغته النهائية.
وتأتي هذه الخطوة لتوسيع المشاركة في إعداد التشريع، والاستفادة من الآراء والخبرات المختلفة في تطوير مشروع القانون، بما يعزز شموليته وفاعليته ويلبي تطلعات الجهات المعنية باعتماد الوساطة وسيلة لتسوية المنازعات.
وتتكامل المنصة الرقمية مع مشروع القانون وبرامج تدريب وتأهيل القضاة والوسطاء ومكاتب الوساطة في المحاكم، لتشكل مكونات مسار وطني يتيح التسوية التوافقية كخيار قانوني مرن إلى جانب القضاء، ويسهم في تسريع الوصول إلى الحقوق وتخفيف أعباء التقاضي مع الحفاظ على الضمانات القانونية للأطراف.