السبت 24 أكتوبر 2026 — دمشق
|

محكمة الجنايات الرابعة بدمشق تنظر بأكثر من 60 قضية تتعلق بجرائم ‏النظام البائد ‏

‎ دمشق-سانا‏
 ‎
كشف رئيس محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بالعدالة الانتقالية، القاضي ‏فخر الدين العريان،‏ أن المحكمة تنظر حالياً في نحو 61 قضية تتعلق بجرائم ‏وانتهاكات ارتكبها النظام البائد، خلال سنوات الثورة السورية.‏
 
وأكد رئيس المحكمة في تصريح لـ سانا اليوم الخميس، أن جميع القضايا ‏تعالج وفق الأصول القانونية المتبعة، موضحاً أن ‏المحكمة هي هيئة قضائية ‏سورية مشكّلة من قضاة سوريين وتتبع للمجلس ‏الأعلى للقضاء، مشدداً ‏على ‏أنها ليست محكمة خاصة أو استثنائية، بل تطبق ‏القوانين السورية النافذة، ‏منها قانون ‏العقوبات وقانون أصول المحاكمات ‏الجزائية، وتتبع ذات ‏الإجراءات المعمول بها في محاكم ‏الجنايات العادية‎.‎
 
 وشدد على أن العدالة الانتقالية تمثل مساراً ‏إنسانياً وقانونياً لا انتقامياً، حيث ‏تعمل المحكمة على المواءمة ‏بين القوانين السورية والاتفاقيات ‏الدولية الموقعة ‏وفق مبدأ التكامل الدولي، مستندة إلى الإعلان ‏الدستوري الملزم بتطبيق تلك ‌‏المعاهدات‎.‎
‏ ‏
 وأشار إلى استناد المحكمة إلى اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولها ‏الأول، ‏واتفاقية مناهضة التعذيب، والقواعد الدولية الآمرة بشأن الجرائم ضد ‏الإنسانية، إلى جانب ‏الأخذ بنظريات القانون الدولي المعمول بها في التجارب ‏المماثلة، كنظرية “المشروع الإجرامي ‏المشترك” ونظرية “سلسلة القيادة ‏والأوامر”.‏

آليات الأحكام الغيابية ومسار العدالة ‏

‏وأشار القاضي العريان إلى أن المحكمة أصدرت أحكامها في أربع ‏قضايا ‌‏بارزة تتعلق بانتهاكات ‏جسيمة ‏ارتُكبت في عهد النظام البائد، شملت كلاً من ‌‏المجرمين‏ بشار الأسد وشقيقه ‏ماهر الأسد ‏الفارين من وجه العدالة، وعاطف ‌‏نجيب ‏وغيرهم.‏
‏ ‏
وحول الأحكام الغيابية بحق المجرمين الفارين، قال رئيس المحكمة: إن ‏قانون أصول المحاكمات ‏الجزائية أقر السير في الإجراءات والتبليغات ‏لضمان عدم تعطيل مسار العدالة، مؤكداً أن لهذه ‏الأحكام أثراً قانونياً عبر ‏تعميمها وإرسالها إلى الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) لملاحقة ‌‏المحكومين.‏
 
وأضاف: فور إلقاء القبض عليهم أو تسليم أنفسهم، يُلغى الحكم الغيابي وتُعاد ‏المحاكمة ‏وجاهياً بكامل ضماناتها من توكيل المحامين وتقديم الدفاع ‏والاطلاع على الأدلة‎.‎
‎ ‌‎ ‎
 ‎وأكد رئيس المحكمة الاعتماد حصراً على قانون العقوبات السوري فيما ‏يخص العقوبات؛ إذ ‏تُنزل العقوبة بناءً على الأفعال المجرّمة الثابتة بالأدلة ‏وليس على المنصب أو الوظيفة، مبيناً أن ‏إدانة المجرم الفار بشار الأسد، ‏ليست لمجرد أنه شغل منصب رئيس الجمهورية، وإنما كانت سلسلة ‏القيادة ‏والأوامر والأدلة القائمة الموجودة في القضايا، توثق اشتراكه في إصدار ‏الأوامر من رأس ‏الهرم إلى أصغر شخص منفذ في البيئة المحلية في ارتكاب ‏الانتهاكات والجرائم بحق الشعب ‏السوري‎.‎
‎ ‎
وبيّن القاضي العريان أن النظام البائد عمد إلى إخفاء الأدلة على ارتكابه ‏الجرائم قبل سقوطه، ‏ليتنصل من الجرائم التي ارتكبها، موضحاً اعتماد ‏المحكمة على الشهادات والوثائق المقدمة من ‏ذوي الضحايا رغم مشقة ‏المهمة‎.‎

ضمانات المحاكمة وحماية الشهود

أكد القاضي العريان أن المحكمة تعمل على إتاحة الفرصة للمتهمين بتقديم ما ‏يشاؤون من دفاع، ‏وتوكيل محامين، ومن لم يستطع توكيل محام يتم تأمين ‏محام مسخر، وتمكنهم المحكمة من ‏الاطلاع على كل الوثائق والأدلة بحقهم، ‏ومن إحظار شهودهم‎،‏ موضحاً أن المحكمة عملت على ‏إعمال مبدأ حماية ‏الشهود والأدلة، وهو مبدأ عالمي، وليس منصوصاً عنه في قانون أصول ‌‏المحاكمات السوري، وهذه الحماية لا تشمل فقط شهود الضحايا، بل تشمل ‏أيضاً شهود المتهمين‎.‎
 
وبيّن أن حماية الشهود لا يعني أن الشاهد لا يتعرف عليه أحد، ولكن هذا ‏الشاهد محمي لا يمكن ‏التعرف عليه من الجمهور العام، ويستطيع أطراف ‏الدعوى في المحاكمة التعرف عليه ومناقشة ‏شهادته وتقديم ما يثبت عكسها، ‏وتقديم أيضاً إثبات أن هذه الشهادة صحيحة أو لا، حتى المتهم له أن ‏يقبل ‏بالشهادة أو لا، وفق ما هو منصوص عليه في قانون أصول المحاكمات ‏الجزائية‎.‎

‎الطعن وتنفيذ الأحكام والحق الشخصي وجبر الضرر

بيّن العريان أن الأحكام القضائية الصادرة سواء كانت وجاهية، أو بمثابة ‏الوجاهية، أو غيابية ‏تخضع بعد تبليغ أطراف الدعوى لمحكمة النقض ‏المختصة كمحكمة موضوع، فلها تصديق الأحكام ‏أو نقضها وإعادتها ‏لتصحيح الأخطاء القانونية إن وجدت، وبمجرد تصديق الحكم يُحال إلى ‏النيابة ‏العامة للتنفيذ، مع تسطير كتب الملاحقة الدولية عبر الإنتربول للأحكام ‏الغيابية‎.‎

وأشار القاضي العريان إلى أن المحكمة تنظر أيضاً في معرض بحثها في ‏القضايا والجرائم في ‏الحق الشخصي، وهو حق للضحايا عن الأضرار التي ‏لحقت بهم جراء الجرائم المرتكبة من ‏المتهمين، وهو جزء من جبر الضرر، ‏وليس جبر الضرر الموجود في مسار العدالة الانتقالية العام، ‏وإنما جبر ‏الضرر ضمن مسار القضية الواحدة‎.‎
‎ ‎
وأوضح أن المحكمة عملت على مصادرة أموال المتهمين وإيداعها في ‏صندوق خاص لحين تشكيل ‏صندوق جبر الضرر في العدالة الانتقالية، مبيناً ‏أن الغاية من ذلك ضمان حقوق قاعدة واسعة من ‏الضحايا التي لم  تتمكن من ‏الحضور إلى المحكمة للحصول على حقوقها. ‏
 
وأشار إلى أن هذه المصادرة منصوص عليها ومتعامل بها في قضايا مماثلة ‏في العدالة الانتقالية، ‏في دول أخرى مرت بالتجربة نفسها التي مرت فيها ‏سوريا‎.‎
‎ ‎
وقال القاضي العريان: إن محكمة الجنايات الرابعة هي لإحقاق الحق للجميع، ‏سواء ضحايا أو ‏متهمون، والسلم الأهلي يكون بتطبيق العدالة على الجميع، ‏ولا أحد يفلت من العقاب والمحاسبة، ‏مشدداً على أن مسار العدالة الانتقالية ‏ماضٍ في طريقه، وأن العدالة ستلاحق الجميع، وأن الحقوق ‏ستصل إلى ‏أصحابها، سواء المتهمون أو الضحايا.‏
‎ ‎
‎وكانت محكمة الجنايات الرابعة بدمشق المختصة بالعدالة الانتقالية أصدرت ‏خلال ‏الفترة ‏الماضية ‌‏أحكاماً ‏بحق عدد من رموز النظام ‏البائد، ‏ بينهم المجرم ‏الفار بشار ‏الأسد ‌‏وماهر الأسد وقيادات ‌‏عسكرية ‏وأمنية ‏ومسؤولون تولوا ‏مواقع سياسية ودينية‎.‎
‎ ‎
وتوزعت الأحكام بين الإعدام والسجن المؤبد، وصدر ‏بعضها حضورياً بحق ‌‏المجرمين ‌‏‌‏عاطف ‌‏نجيب ووسيم ‏الأسد وأحمد ‏حسون، بينما صدرت أحكام ‌‏غيابية بحق ‏المجرمين ‌‏‌‏الفارين‎.‎
 
وفي أيلول الماضي أكدت وزارة العدل في بيان استمرار دعمها للمحاكم ‏المختصة بالعدالة الانتقالية ‏وتمكينها ‏من ‌‏أداء مهامها وفقاً للقانون، بما يضمن ‏حقوق الضحايا وذويهم، ويحفظ حقوق ‏الدفاع ‌‏‌‏وسلامة الإجراءات لجميع ‏الأطراف، ويدعم مسار العدالة الانتقالية ويحفظ ‏ضمانات ‌‏المحاكمة ‏العادلة ‏لجميع الأطراف، مشيرة إلى أن محكمة الجنايات ‌‏الرابعة بدمشق تواصل ‏النظر في الدعاوى ‏المحالة إليها، وفق جدول جلسات منتظم‎.‎

مشاركة هذه المقالة