السبت 17 أكتوبر 2026 — دمشق
|

ما بين كفّين.. وُلدت لغة

دمشق-سانا

حين تعجز الكلمات عن الوصول، ويغيب الصوت، ولا تعود العين قادرة على رؤية ‏التفاصيل، تبقى اليد قادرة على أن تقول الكثير، هكذا وجدت مريم الغوراني طريقها ‏إلى العالم؛ كفّ تلتقي بكف، وإشارةٌ تُرسم على الجلد، وخيطٌ يتحول بين أصابعها إلى ‏حكاية نجاح.‏

حين أصبحت اليد لغة

0P3A3054 ما بين كفّين.. وُلدت لغة

كانت يد مريم البوصلة الأولى في حكاية لم تكن مدربة الكروشيه غادة رجب تعرف ‏إلى أين ستصل، حين التقت بها قبل نحو ثلاثة أعوام في جمعية الوئام للنساء الكفيفات، فتاةٌ بالكاد ‏ترى، لا تسمع ولا تتكلم، لكنها تحمل حماساً كبيراً ورغبة في العمل، وتنتظر فرصة ‏تتيح لها الوصول إلى الآخرين بلغة مختلفة.‏

وتستعيد غادة تلك البداية، مستحضرةً ملامح فتاة لفتها حماسها وإصرارها، فتقول:‏ مريم الغوراني فتاة كفيفة، فقدت إحدى عينيها، ولم يتبقَّ في العين الأخرى سوى قدر ‏ضئيل من البصر، وليس هذا فحسب، بل إن مريم أيضاً صمّاء وبكماء، لكنها، ‏سبحان الله، مليئة بالحماس، وشعلة من النشاط والعمل والجهد.‏

وتضيف: جاءت مريم إلى جمعيتنا برفقة والدتها قبل نحو ثلاث سنوات، في البداية لم ‏أعرف كيف أصل إليها، وعندما مددت يدي إليها أمسكت بها بقوة، وكأنها تعلن ‏استعدادها لخوض التجربة، لتفتح معي باباً لم تكن الكلمات قادرة على فتحه.‏

2M0A8490 ما بين كفّين.. وُلدت لغة

وتتابع غادة: من تلك القبضة الصغيرة، بدأت تتشكل لغةٌ جديدة، أرسم على كفّ ‏مريم شكل الغرزة والنموذج المطلوب، فتلتقط الإشارة بإحساسها، وتحولها بخيوطها ‏إلى قطعة حقيقية، ومع كل محاولة، كان الصبر يمنحها فرصة جديدة، وكانت ‏الأخطاء تعيدها إلى البداية، لكنها لم تكن تستسلم.‏

وتوضح غادة أنه مع مرور الوقت، اتسعت اللغة التي صنعتها اليدان، فلم تعد ‏محصورة بالكروشيه، بل باتت لكل إشارة دلالة، ولكل حركة معنى، حتى أصبحت ‏تدرك متى تتعب مريم، ومتى تفرح، ومتى ترغب في إعادة المحاولة.‏

وتشير إلى أن المشاعر وجدت طريقها إلى الكف أيضاً، فقلبٌ ترسمه مريم يعني أنها ‏أحبّت ما تعلمته، وقلبٌ مكسور يكشف عدم اقتناعها بالنتيجة، لكنها لا تكتفي بذلك، ‏بل تطلب فرصة أخرى وتحاول من جديد.‏

0P3A3060 ما بين كفّين.. وُلدت لغة

ومع هذه اللغة، بدأت غادة تفهم مريم من دون أن تحتاج إلى سؤالها، فيما وجدت ‏مريم في علاقتهما مساحة آمنة تعبّر فيها عن نفسها، بعد سنوات لم تكن تملك خلالها ‏وسيلة سهلة للوصول إلى الآخرين.‏

ولم ترد غادة أن تجعل بقايا البصر القليلة لدى مريم وسيلتها الوحيدة للتعلم، فكانت ‏تغطي مجال رؤيتها أثناء التدريب، لتشجعها على الاعتماد على اللمس والذاكرة ‏والإحساس، وتعيد معها الغرزة مرات عدة حتى ترسخ في يديها.‏

وتشرح تفاصيل أسلوبها في التدريب، مستذكرةً محاولاتها المتكررة لمساعدة مريم على ‏إتقان العمل قائلة: لديها بقايا من البصر، لكنني كنت أحاول في معظم الأحيان ‏تغطية هذه المساحة، كي لا تعتمد على بصرها، وبذلك نحافظ على ما تبقى لديها ‏منه، نحن نرسم العمل أولاً، ثم أراقب مدى استجابتها وقدرتها على تنفيذه، وعندما ‏ترتكب بعض الأخطاء، نكرر المحاولة ونعيد التدريب حتى تتقنه، فلا تغادر مريم ‏الدرس إلا وقد أنجزت الرسمة، كما أنها تتابع التدريب وتتجاوب معه في المنزل.‏

حين تتحدث الألوان بلغة الإحساس

0P3A3084 ما بين كفّين.. وُلدت لغة

القطعة الأولى التي أنجزنها مريم كانت قبعة ووشاحاً، وبذلك أصبح لمحاولاتها معنى ‏ملموساً توالت القطع بعده، حاملةً معها تفاصيل تكشف جوانب من شخصيتها، حتى ‏أن اختيار الألوان أصبح وسيلة تعبّر بها عن ذوقها، فهي تحب الألوان الفاتحة ‏والورود والطبيعة، وتعرف ما تفضله وما لا تحبه رغم غياب الكلمات.‏

وتستعيد غادة اللحظة التي اكتشفت فيها ذوق مريم بالألوان بابتسامة عريضة، وتقول: ‌‏”أول قطعة لمريم بالصوف كانت قبعة ووشاحاً، سألتني عن اللون، إن كان فاتحاً أم ‏داكناً، فأخبرتها أنه داكن، فقالت: إنها لا تحب ‏الألوان الداكنة، بل تفضّل الألوان ‏الفاتحة، لأنها تحب الورود الطبيعية، عندها شعرت بأن مريم تمتلك إحساساً مرهفاً، ‏وأنها تحب كل ما هو جميل”.‏

قلقٌ وصبر‏

وتلفت إلى أن الرحلة لم تخلُ من القلق، فعندما غابت مريم فترة بسبب التهاب في ‏عينها، خشيت أن تنقطع خيوط العلاقة التي جمعتهما، لكن دعم الجمعية ساعدها ‏على العودة، فعادت معها رغبتها في التعلم، واستأنفت التدريب من النقطة التي ‏توقفت عندها.‏

0P3A3063 ما بين كفّين.. وُلدت لغة

وتقول: بينما كنت أعلم مريم الغرز والأشكال، كانت تمنحني درساً آخر في الصبر، ‏إذ كشفت لي أن الوصول إلى الإنسان قد يحتاج إلى تغيير طريقة التواصل، لا إلى ‏التخلي عن المحاولة.‏

من غرفة التدريب إلى المعارض

لم يبقَ أثر ما تعلمته مريم محصوراً في غرفة التدريب، بل امتد إلى المعارض التي ‏بدأت تشارك فيها، والتجارب الجديدة التي فتحت أمامها آفاقاً أوسع.‏

ومع اتساع ثقتها بنفسها، بدأت تفكر في الالتحاق بدورات أخرى في صناعة العطور ‏وتعلم مهارات الحاسوب، وكأن الباب الذي فتحه الكروشيه يقود إلى أبواب جديدة.‏

0P3A3078 ما بين كفّين.. وُلدت لغة

وتختصر غادة معنى النجاح الذي شهدته مع مريم في مواقف صغيرة حملت دلالات ‏عظيمة، فحين تخبرها مريم بأنها تريد إهداء ما صنعته لوالديها، ثم تهديها قطعة من ‏عملها، تتمسك بيدها وتمنحها تاجاً، في لفتة تعبّر عن تقديرها لرحلة جمعت بين ‏التعلم والصبر والمودة.‏

وتضيف: “مريم ليست حالة … بل قصة نجاح، إذ نادراً ما نصادف مثل إحساسها، ‏عفويتها، نشاطها، طيبتها”.‏

الأم.. حين عادت مريم إلى الحياة

ومن جانب آخر، كانت ميرفت بشير أبو آذان والدة مريم، تدرك منذ طفولة ابنتها أن ‏الوصول إليها يحتاج إلى لغة خاصة، فمع فقدان مريم السمع والكلام والبصر بدرجات ‏مختلفة، أصبحت الإشارة والكتابة وسيلتين للتعبير، محاولةً توفير ما تستطيع من ‏وسائل التواصل والتعلم.‏

2M0A8498 ما بين كفّين.. وُلدت لغة

وتقول أبو آذان: التحقت ابنتي بمعهد للصم والبكم، وتعلمت معها الإشارة والكتابة، ‏لكن تلك الخطوات لم تكن كافية لإخراجها من عزلتها، فقبل انضمامها إلى الجمعية، ‏كانت تقضي معظم وقتها بعيدة عن الناس، فيما كنت أبحث عن فرصة حقيقية ‏تساعدها على المشاركة والتعلم وإظهار ما تمتلكه من قدرات.‏

وتضيف: مع دخول مريم إلى الجمعية، تبدّل إيقاع حياتها، فأصبحت تنتظر يوم ‏التدريب وتفرح بالمشاركة، وتغضب حين لا تستطيع الذهاب، ولم تعد الجمعية مكاناً ‏تتعلم فيه حرفةً فحسب، بل تحولت إلى مساحةٍ تلتقي فيها بالناس وتضحك وتشارك ‏وتُظهر جوانب من شخصيتها.‏

كما انعكس التغيير على حياتها في المنزل أيضاً، إذ بدأت تشارك أكثر في تفاصيل ‏الحياة اليومية، وتساعدني أحياناً في بعض الأعمال المنزلية، وتحرص على سقاية ‏الورود، في صورة تعكس اهتمامها بما حولها وتعلّقها بالتفاصيل التي تحبها، وتضيف ‌‏”أكثر صفة أحبها في مريم أنها حنونة، بريئة، متفهمة”.‏

2M0A8494 ما بين كفّين.. وُلدت لغة

وتستحضر أبو آذان ذكرى أول قطعة عادت بها مريم إلى المنزل، وتوضح أنها لم ‏تكن مجرد قبعة أو قطعة كروشيه، بل بدت كنزاً يثبت قدرة ابنتها على الإنجاز، وأن ‏الجهد الذي بذلته طوال السنوات بدأ يتحول إلى استقلالٍ أكبر.‏

ومن واقع تجربتها، توجه أبو آذان رسالة إلى الأمهات والآباء الذين يواجهون ظروفاً ‏مشابهة، داعيةً إياهم إلى عدم ترك أبنائهم للعزلة أو إهمال احتياجاتهم.‏

بيديها تنسج مريم طريقها إلى الحياة

اليوم، تقف مريم في مكان مختلف عن نقطة البداية، تصنع بيديها، وتساعد أمها في ‏المنزل، وتسقي ورودها، وتشارك في الأنشطة، وتتعلم، وتعبّر عن رغباتها ومشاعرها ‏بطريقتها الخاصة.‏

2M0A8488 ما بين كفّين.. وُلدت لغة

‏ لم تعد اليد بالنسبة إليها مجرد وسيلة للحركة، بل أصبحت لغة تصل بها إلى ‏الآخرين، فيما تحول الخيط بين أصابعها إلى أثر ملموس لرحلة طويلة نحو ‏الاستقلال والمشاركة.‏

وفي كل غرزة تنجزها مريم، تتجاوز الحكاية حدود قطعة الكروشيه، إنها رحلة بدأت ‏بالعزلة، ثم وجدت طريقها إلى العالم عبر كفّين تلاقتا، حتى أصبحت اليد لغة، ‏والخيط حكاية، والنجاح إنجازاً يمكن لمسه.‏

مشاركة هذه المقالة