دمشق-سانا
حين تعجز الكلمات عن الوصول، ويغيب الصوت، ولا تعود العين قادرة على رؤية التفاصيل، تبقى اليد قادرة على أن تقول الكثير، هكذا وجدت مريم الغوراني طريقها إلى العالم؛ كفّ تلتقي بكف، وإشارةٌ تُرسم على الجلد، وخيطٌ يتحول بين أصابعها إلى حكاية نجاح.
حين أصبحت اليد لغة

كانت يد مريم البوصلة الأولى في حكاية لم تكن مدربة الكروشيه غادة رجب تعرف إلى أين ستصل، حين التقت بها قبل نحو ثلاثة أعوام في جمعية الوئام للنساء الكفيفات، فتاةٌ بالكاد ترى، لا تسمع ولا تتكلم، لكنها تحمل حماساً كبيراً ورغبة في العمل، وتنتظر فرصة تتيح لها الوصول إلى الآخرين بلغة مختلفة.
وتستعيد غادة تلك البداية، مستحضرةً ملامح فتاة لفتها حماسها وإصرارها، فتقول: مريم الغوراني فتاة كفيفة، فقدت إحدى عينيها، ولم يتبقَّ في العين الأخرى سوى قدر ضئيل من البصر، وليس هذا فحسب، بل إن مريم أيضاً صمّاء وبكماء، لكنها، سبحان الله، مليئة بالحماس، وشعلة من النشاط والعمل والجهد.
وتضيف: جاءت مريم إلى جمعيتنا برفقة والدتها قبل نحو ثلاث سنوات، في البداية لم أعرف كيف أصل إليها، وعندما مددت يدي إليها أمسكت بها بقوة، وكأنها تعلن استعدادها لخوض التجربة، لتفتح معي باباً لم تكن الكلمات قادرة على فتحه.

وتتابع غادة: من تلك القبضة الصغيرة، بدأت تتشكل لغةٌ جديدة، أرسم على كفّ مريم شكل الغرزة والنموذج المطلوب، فتلتقط الإشارة بإحساسها، وتحولها بخيوطها إلى قطعة حقيقية، ومع كل محاولة، كان الصبر يمنحها فرصة جديدة، وكانت الأخطاء تعيدها إلى البداية، لكنها لم تكن تستسلم.
وتوضح غادة أنه مع مرور الوقت، اتسعت اللغة التي صنعتها اليدان، فلم تعد محصورة بالكروشيه، بل باتت لكل إشارة دلالة، ولكل حركة معنى، حتى أصبحت تدرك متى تتعب مريم، ومتى تفرح، ومتى ترغب في إعادة المحاولة.
وتشير إلى أن المشاعر وجدت طريقها إلى الكف أيضاً، فقلبٌ ترسمه مريم يعني أنها أحبّت ما تعلمته، وقلبٌ مكسور يكشف عدم اقتناعها بالنتيجة، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تطلب فرصة أخرى وتحاول من جديد.

ومع هذه اللغة، بدأت غادة تفهم مريم من دون أن تحتاج إلى سؤالها، فيما وجدت مريم في علاقتهما مساحة آمنة تعبّر فيها عن نفسها، بعد سنوات لم تكن تملك خلالها وسيلة سهلة للوصول إلى الآخرين.
ولم ترد غادة أن تجعل بقايا البصر القليلة لدى مريم وسيلتها الوحيدة للتعلم، فكانت تغطي مجال رؤيتها أثناء التدريب، لتشجعها على الاعتماد على اللمس والذاكرة والإحساس، وتعيد معها الغرزة مرات عدة حتى ترسخ في يديها.
وتشرح تفاصيل أسلوبها في التدريب، مستذكرةً محاولاتها المتكررة لمساعدة مريم على إتقان العمل قائلة: لديها بقايا من البصر، لكنني كنت أحاول في معظم الأحيان تغطية هذه المساحة، كي لا تعتمد على بصرها، وبذلك نحافظ على ما تبقى لديها منه، نحن نرسم العمل أولاً، ثم أراقب مدى استجابتها وقدرتها على تنفيذه، وعندما ترتكب بعض الأخطاء، نكرر المحاولة ونعيد التدريب حتى تتقنه، فلا تغادر مريم الدرس إلا وقد أنجزت الرسمة، كما أنها تتابع التدريب وتتجاوب معه في المنزل.
حين تتحدث الألوان بلغة الإحساس

القطعة الأولى التي أنجزنها مريم كانت قبعة ووشاحاً، وبذلك أصبح لمحاولاتها معنى ملموساً توالت القطع بعده، حاملةً معها تفاصيل تكشف جوانب من شخصيتها، حتى أن اختيار الألوان أصبح وسيلة تعبّر بها عن ذوقها، فهي تحب الألوان الفاتحة والورود والطبيعة، وتعرف ما تفضله وما لا تحبه رغم غياب الكلمات.
وتستعيد غادة اللحظة التي اكتشفت فيها ذوق مريم بالألوان بابتسامة عريضة، وتقول: ”أول قطعة لمريم بالصوف كانت قبعة ووشاحاً، سألتني عن اللون، إن كان فاتحاً أم داكناً، فأخبرتها أنه داكن، فقالت: إنها لا تحب الألوان الداكنة، بل تفضّل الألوان الفاتحة، لأنها تحب الورود الطبيعية، عندها شعرت بأن مريم تمتلك إحساساً مرهفاً، وأنها تحب كل ما هو جميل”.
قلقٌ وصبر
وتلفت إلى أن الرحلة لم تخلُ من القلق، فعندما غابت مريم فترة بسبب التهاب في عينها، خشيت أن تنقطع خيوط العلاقة التي جمعتهما، لكن دعم الجمعية ساعدها على العودة، فعادت معها رغبتها في التعلم، واستأنفت التدريب من النقطة التي توقفت عندها.

وتقول: بينما كنت أعلم مريم الغرز والأشكال، كانت تمنحني درساً آخر في الصبر، إذ كشفت لي أن الوصول إلى الإنسان قد يحتاج إلى تغيير طريقة التواصل، لا إلى التخلي عن المحاولة.
من غرفة التدريب إلى المعارض
لم يبقَ أثر ما تعلمته مريم محصوراً في غرفة التدريب، بل امتد إلى المعارض التي بدأت تشارك فيها، والتجارب الجديدة التي فتحت أمامها آفاقاً أوسع.
ومع اتساع ثقتها بنفسها، بدأت تفكر في الالتحاق بدورات أخرى في صناعة العطور وتعلم مهارات الحاسوب، وكأن الباب الذي فتحه الكروشيه يقود إلى أبواب جديدة.

وتختصر غادة معنى النجاح الذي شهدته مع مريم في مواقف صغيرة حملت دلالات عظيمة، فحين تخبرها مريم بأنها تريد إهداء ما صنعته لوالديها، ثم تهديها قطعة من عملها، تتمسك بيدها وتمنحها تاجاً، في لفتة تعبّر عن تقديرها لرحلة جمعت بين التعلم والصبر والمودة.
وتضيف: “مريم ليست حالة … بل قصة نجاح، إذ نادراً ما نصادف مثل إحساسها، عفويتها، نشاطها، طيبتها”.
الأم.. حين عادت مريم إلى الحياة
ومن جانب آخر، كانت ميرفت بشير أبو آذان والدة مريم، تدرك منذ طفولة ابنتها أن الوصول إليها يحتاج إلى لغة خاصة، فمع فقدان مريم السمع والكلام والبصر بدرجات مختلفة، أصبحت الإشارة والكتابة وسيلتين للتعبير، محاولةً توفير ما تستطيع من وسائل التواصل والتعلم.

وتقول أبو آذان: التحقت ابنتي بمعهد للصم والبكم، وتعلمت معها الإشارة والكتابة، لكن تلك الخطوات لم تكن كافية لإخراجها من عزلتها، فقبل انضمامها إلى الجمعية، كانت تقضي معظم وقتها بعيدة عن الناس، فيما كنت أبحث عن فرصة حقيقية تساعدها على المشاركة والتعلم وإظهار ما تمتلكه من قدرات.
وتضيف: مع دخول مريم إلى الجمعية، تبدّل إيقاع حياتها، فأصبحت تنتظر يوم التدريب وتفرح بالمشاركة، وتغضب حين لا تستطيع الذهاب، ولم تعد الجمعية مكاناً تتعلم فيه حرفةً فحسب، بل تحولت إلى مساحةٍ تلتقي فيها بالناس وتضحك وتشارك وتُظهر جوانب من شخصيتها.
كما انعكس التغيير على حياتها في المنزل أيضاً، إذ بدأت تشارك أكثر في تفاصيل الحياة اليومية، وتساعدني أحياناً في بعض الأعمال المنزلية، وتحرص على سقاية الورود، في صورة تعكس اهتمامها بما حولها وتعلّقها بالتفاصيل التي تحبها، وتضيف ”أكثر صفة أحبها في مريم أنها حنونة، بريئة، متفهمة”.

وتستحضر أبو آذان ذكرى أول قطعة عادت بها مريم إلى المنزل، وتوضح أنها لم تكن مجرد قبعة أو قطعة كروشيه، بل بدت كنزاً يثبت قدرة ابنتها على الإنجاز، وأن الجهد الذي بذلته طوال السنوات بدأ يتحول إلى استقلالٍ أكبر.
ومن واقع تجربتها، توجه أبو آذان رسالة إلى الأمهات والآباء الذين يواجهون ظروفاً مشابهة، داعيةً إياهم إلى عدم ترك أبنائهم للعزلة أو إهمال احتياجاتهم.
بيديها تنسج مريم طريقها إلى الحياة
اليوم، تقف مريم في مكان مختلف عن نقطة البداية، تصنع بيديها، وتساعد أمها في المنزل، وتسقي ورودها، وتشارك في الأنشطة، وتتعلم، وتعبّر عن رغباتها ومشاعرها بطريقتها الخاصة.

لم تعد اليد بالنسبة إليها مجرد وسيلة للحركة، بل أصبحت لغة تصل بها إلى الآخرين، فيما تحول الخيط بين أصابعها إلى أثر ملموس لرحلة طويلة نحو الاستقلال والمشاركة.
وفي كل غرزة تنجزها مريم، تتجاوز الحكاية حدود قطعة الكروشيه، إنها رحلة بدأت بالعزلة، ثم وجدت طريقها إلى العالم عبر كفّين تلاقتا، حتى أصبحت اليد لغة، والخيط حكاية، والنجاح إنجازاً يمكن لمسه.



