دمشق-سانا
لم يعد طرق الأبواب في صباح العيد المشهد الأبرز للمعايدة، بعدما حلّت رسائل الهاتف ومكالمات الفيديو مكان اللقاءات العائلية، في تحوّل يعكس تأثير التكنولوجيا على تفاصيل الحياة اليومية، حتى في أكثر المناسبات ارتباطاً بالدفء الإنساني.
ففي الذاكرة السورية، ارتبطت الأعياد بطقوس اجتماعية قائمة على الزيارات المباشرة وتبادل التهاني وجهاً لوجه، حيث كانت البيوت تفتح أبوابها للأقارب والجيران، وتتجسد مشاعر القرب في اللقاءات العائلية.
ويستعيد ممدوح المصري (80 عاماً) تلك المرحلة، مشيراً إلى أن المعايدات كانت تبدأ بعد صلاة العيد، وكانت العلاقات أكثر بساطة وألفة، على حد تعبيره.
ومع تطور وسائل الاتصال، تغيرت هذه الطقوس تدريجياً، إذ أصبحت الرسائل النصية والمكالمات الهاتفية ومقاطع التهنئة المصورة أدوات أساسية في تبادل التهاني، وخاصة بين الأجيال الشابة التي تميل إلى سرعة وسهولة التواصل، كما يوضح الشاب عبد الله الفلاح، لافتاً إلى أن هذا التحول لا يخلو من انتقادات من كبار السن الذين يرون في ذلك ابتعاداً عن التواصل المباشر.
في المقابل، تبرز التحديات الاقتصادية كعامل مؤثر في طبيعة هذا التحول، حيث تشير سلمى الشريف إلى أن ارتفاع تكاليف الاتصالات وباقات الإنترنت يدفعها إلى تقليل استخدام مكالمات الفيديو، والاكتفاء بالرسائل الصوتية أو النصية، ما ينعكس على مستوى التفاعل الإنساني.
ورغم هذه التغيرات، لا يمكن إغفال الدور الإيجابي للتكنولوجيا في ربط العائلات المتباعدة جغرافياً، إذ يوضح نسيب الزالق أن الاتصالات الحديثة أتاحت له التواصل مع ابنه وأحفاده المقيمين خارج البلاد بشكل فوري، بعد أن كانت وسائل الاتصال التقليدية تستغرق وقتاً طويلاً.
وبين هذا وذاك، يتشكل مشهد اجتماعي جديد تتداخل فيه مزايا التكنولوجيا مع تحدياتها، حيث تقرّب وسائل الاتصال الحديثة المسافات، لكنها لا تعوّض بالكامل حرارة اللقاءات المباشرة التي لطالما ميّزت الأعياد.
التغيرات في أنماط التواصل الاجتماعي، مع تزايد الاعتماد على التقنيات الرقمية إلى جانب الظروف الاقتصادية تفتح نقاشاً مستمراً حول التوازن بين الحفاظ على الروابط الاجتماعية التقليدية والاستفادة من مزايا التكنولوجيا الحديثة.
وتعكس هذه التحولات مرحلة يعيشها المجتمع، يسعى فيها إلى التوازن بين الحفاظ على القيم الاجتماعية المرتبطة بالتواصل المباشر، والاستفادة من مزايا التقنيات الحديثة التي فرضت حضورها كجزء أساسي من الحياة اليومية.