نيويورك-سانا
حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أمس الثلاثاء من أن مقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه الأساسية تتعرض اليوم لضغط هائل، مذكراً بأن الميثاق يمثل دليل نجاة للبشرية وأملها الأفضل في تحقيق السلم والأمن الدوليين.
وقال غوتيريش، وفق ما نقل عنه موقع الأمم المتحدة، خلال مناقشة مفتوحة عقدها مجلس الأمن الدولي بشأن صون مبادئ الميثاق: “إن الميثاق التزام وُلد من رحم حربين عالميتين بأن تطغى سلطة القانون على سلطة القوة، وأن تُسوّى المنازعات الدولية بالوسائل السلمية”.
وحدد غوتيريش سبعة تهديدات وجودية رئيسية تواجه العالم حالياً، تشمل التآكل الخطير في احترام القانون الدولي، وتعمق الانقسامات الجيوسياسية، وتزايد النزاعات واشتداد حدتها، وتسارع سباق التسلح المزعزع للاستقرار، وتعرض حقوق الإنسان لهجوم شامل، والضغط المتزايد على الرابط بين السلام والتنمية، إلى جانب تسارع وتيرة أزمة المناخ.
ودعا الأمين العام إلى العمل الحثيث على ثلاث جبهات أساسية تتضمن الوقاية وصنع السلام، وصون القانون الدولي دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير، بالإضافة إلى إجراء إصلاحات هيكلية جوهرية في المؤسسات الدولية وهياكل التمويل الدولي كي تعكس حقائق عالم اليوم، وليس حقائق عام 1945.
بدوره، حذر وزير الخارجية الصيني وانغ يي في كلمة خلال الجلسة من أن العالم يمر بأخطر مرحلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مع عودة “قانون الغاب” داعياً الدول الكبرى إلى التزام السيادة والمساواة وتجنب “الاستثنائية والتطبيق الانتقائي للقواعد الدولية”، منتقداً العمليات العسكرية الأحادية والعقوبات التي تُفرض خارج إطار تفويض مجلس الأمن.
وشدد الوزير الصيني على أن الدول الكبرى تتحمل مسؤولية خاصة في احترام القانون الدولي، داعياً إياها إلى تجنب “ازدواجية المعايير” و”الاستثنائية” و”التطبيق الانتقائي” للقواعد الدولية، مؤكداً ضرورة التمسك بالتعددية الدولية ومنح الأمم المتحدة دوراً مركزياً في وضع القواعد الدولية والتنسيق بين الدول، كما أعرب عن دعم بلاده لدور أكبر للأمم المتحدة في تسوية النزاعات الدولية.
من جهته، أكد وزير خارجية البحرين عبد اللطيف بن راشد الزياني أن النظام متعدد الأطراف يتعرض لاختبار حاسم مشدداً على التزام بلاده الراسخ بالمبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة قبل 80 عاماً وفي مقدمتها احترام سيادة الدول.
وقال الوزير البحريني: إن المدنيين لا يزالون يتحملون العبء الأكبر للنزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية، مضيفاً إنه “في قلب هذه الأزمات، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز في اضطراب أسواق الطاقة والممرات الحيوية وتوقف إمدادات الغذاء والدواء، وتعطل حركة التجارة الدولية”.
وأعرب الزياني عن ترحيب بلاده بالتقدم الملموس الذي أحرزته المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بجهود من باكستان، داعياً إلى استكمال هذا المسار بما يعالج كل القضايا الجوهرية في ذلك النزاع، وقال: “إن السلام في منطقتنا يبقى متشابكاً مع السلام والاستقرار في العالم”، مشدداً على أن بلاده تدعم التعاون متعدد الأطراف.
بدوره، أشار مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ، مايكل جورج دي سومبري في كلمة خلال الجلسة إلى أن الولايات المتحدة كانت من بين الدول المؤسسة للأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بهدف منع النزاعات العالمية وتعزيز السلم والأمن الدوليين.
وقال دي سومبري: إن واشنطن ترى أن الأمم المتحدة، وبعد نحو 80 عاماً، لم تنجح بالكامل في تحقيق الهدف الأساسي المتمثل في إنقاذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب، إن هذا التقييم يشمل مجلس الأمن نفسه، بوصفه الهيئة المسؤولة عن حفظ السلم والأمن الدوليين.
وأشار المسؤول الأمريكي إلى أن بلاده، منذ كانون الثاني 2025، اتخذت “إجراءات حاسمة ومهمة” لمعالجة أوجه القصور داخل الأمم المتحدة، موضحاً أن واشنطن قادت خلال الأشهر الستة عشر الماضية جهوداً لإعادة المنظمة إلى “مهمتها الأساسية المتمثلة في حفظ السلم والأمن الدوليين”.
من جانبه، قال المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا: إن ميثاق الأمم المتحدة، الذي وُضع عقب الحرب العالمية الثانية، أسس لنظام دولي حال دون اندلاع حرب عالمية جديدة رغم التحديات المتزايدة، محذراً من أن العالم بات اليوم “أقرب من أي وقت مضى إلى كارثة عالمية”، ليس فقط بسبب انتهاك أحكام الميثاق، بل أيضاً بسبب التشكيك في قيمته وأهمية الالتزام به.
من جانبه، أكد نائب الممثل الدائم للمملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة جيمس كاريوكي أن العالم يواجه جملة بالغة التعقيد من النزاعات، بما في ذلك الأزمات المستمرة منذ أمد طويل في الشرق الأوسط والسودان وأوكرانيا، مشيراً إلى أنه رغم أن تعددية الأطراف تواجه في الوقت الراهن ضغوطاً غير مسبوقة، “إلا أنها تظل الأداة المثلى المتاحة لنا للتصدي لتحدياتنا المشتركة”.
بدوره، أكد المندوب الفرنسي الدائم لدى الأمم المتحدة جيروم بونافون أن أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة لا تزال تحتفظ بكامل أهميتها بعد أكثر من 80 عاماً على إقرارها، لكنها تواجه اليوم اختباراً صعباً بسبب تراجع احترام القانون الدولي وتصاعد النزاعات المسلحة.
وأشار المندوب الفرنسي إلى أن العالم يشهد تآكلاً متزايداً للقانون الدولي، وعودة حروب العدوان، وانتهاكات متكررة للقانون الدولي الإنساني، وتدخلاً خارجياً في نزاعات داخلية، مثل السودان ومنطقة البحيرات الكبرى وليبيا.
وكان غوتيريش قال خلال زيارته لليابان في 20 أيار الحالي إن منظمة الأمم المتحدة تظل “الساحة الجوهرية والفريدة من نوعها” لتعزيز السلام والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان، إلا أنها “لا تكون قوية إلا بقدر التزام الدول الأعضاء بها”.