عواصم-سانا
رفعت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم الإثنين سقف التوتر السياسي المحيط بالمفاوضات الجارية مع إيران، بعدما أكد أن الاتفاق المرتقب “إما أن يكون عظيماً للجميع أو لا اتفاق على الإطلاق”، محذراً من “العودة إلى ساحة القتال وإطلاق النار بشكل أكبر وأقوى من أي وقت مضى”، في وقت تتكثف فيه التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية، مع وصول مسؤولين إيرانيين كبار إلى الدوحة، وتحرك صيني ــ باكستاني داعم لمسار التفاوض ويعيد فتح مضيق هرمز.
وبينما تحدثت واشنطن عن “تقدم كبير” في المباحثات، أبدت طهران حذراً واضحاً حيال فرص التوصل إلى اتفاق سريع، مؤكدة أن القضايا النووية لا تزال خارج التفاوض المباشر حالياً، وسط استمرار الخلافات حول اليورانيوم عالي التخصيب، ورفع العقوبات، والأموال الإيرانية المجمدة، وآلية إدارة الملاحة في مضيق هرمز الذي تحول إلى العقدة المركزية في المفاوضات الجارية.
وأكد ترامب في سلسلة تصريحات ومنشورات على منصة “تروث سوشال” أن أي اتفاق مع إيران “إما أن يكون عظيماً وذا معنى أو لا يكون هناك اتفاق على الإطلاق”، مشدداً على أنه لن يكرر ما وصفه بـ”كارثة الاتفاق النووي” الذي أبرمته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما.
وقال ترامب: إن المفاوضات تسير بشكل جيد، لكنه أوضح أنه طلب من ممثليه عدم التسرع في إبرام أي تفاهم، مضيفاً: إن الحصار الأمريكي على الموانئ والسفن الإيرانية في مضيق هرمز سيبقى سارياً بكامل قوته حتى التوصل إلى اتفاق نهائي واعتماده رسمياً.
وتعكس تصريحات ترامب محاولة لخفض سقف التوقعات بعد الحديث خلال الأيام الماضية عن اقتراب التوصل إلى “مذكرة تفاهم” تمهد لاتفاق أوسع ينهي الحرب المستمرة منذ نحو ثلاثة أشهر، ويعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الطبيعية.
مفاوضات معقدة وعقد عالقة
وفي موازاة تشدد ترامب، بدا وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أكثر تفاؤلاً، إذ أعلن من نيودلهي أن واشنطن “تقترب من اتفاق عملي” مع إيران، مؤكداً أن الدبلوماسية ستُمنح “كل فرصة ممكنة للنجاح” قبل اللجوء إلى “بدائل أخرى”.
ونقلت وسائل إعلام أمريكية، بينها فوكس نيوز وواشنطن بوست، عن مسؤولين في إدارة ترامب قولهم إن نحو 95 بالمئة من إطار التفاهم قد أنجز، بينما لا تزال الصياغات النهائية وبعض التفاصيل التقنية موضع نقاش، ولا سيما ما يتعلق بمضيق هرمز، ومخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، وآلية الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
وبحسب تلك التسريبات، فإن الاتفاق المطروح يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز مقابل تخفيف الحصار البحري الأمريكي، إلى جانب ترتيبات لاحقة تتعلق بالملف النووي الإيراني ورفع بعض العقوبات.
في المقابل، قللت طهران من احتمالات التوصل إلى اتفاق وشيك، إذ أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن إبرام اتفاق ليس قريباً رغم الإقرار بتحقيق قدر من التفاهم حول عدد من الملفات.
وأشار إلى أن بلاده لا تنوي فرض رسوم عبور على السفن في مضيق هرمز، بل تتحدث عن “خدمات مدفوعة” مرتبطة بالملاحة وحماية البيئة البحرية.
الدوحة مركز التحركات الجديدة
وفي مؤشر على تسارع الاتصالات، أفادت وكالة رويترز بوصول رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي إلى العاصمة القطرية الدوحة، لإجراء مباحثات مع رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بشأن فرص التوصل إلى اتفاق مع واشنطن.
ويعكس الحراك القطري استمرار دور الدوحة كقناة اتصال رئيسية بين واشنطن وطهران، بالتوازي مع وساطات إقليمية أوسع تقودها عدة عواصم في المنطقة.
دور صيني ـــ باكستاني متصاعد
وفي السياق ذاته، برزت الصين وباكستان كطرفين داعمين للمفاوضات، بعدما كشفت مصادر إعلامية عن إصرار إسلام أباد على أن تؤدي بكين دور “الضامن” لأي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران.
وجاء ذلك بالتزامن مع زيارة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى الصين ولقائه الرئيس الصيني شي جين بينغ، وسط دعوات بكين إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة لتجنب مزيد من التصعيد.
قلق إسرائيلي من مسار التفاوض
في المقابل، كشفت وكالة رويترز نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين بأن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أبلغ مقربين منه بأن قدرته على التأثير في قرارات ترامب بشأن إيران باتت “محدودة للغاية”.
بحسب المصادر، تشعر إسرائيل بقلق متزايد من الإطار الجاري التفاوض عليه بين واشنطن وطهران، وخصوصاً مع استبعاد إسرائيل إلى حد كبير من المحادثات غير المباشرة.
وأضافت المصادر: إن نتنياهو يتمسك بإمكانية مواصلة العمليات العسكرية ضد ما تصفه إسرائيل بـ”التهديدات على جميع الجبهات”، بما في ذلك جنوب لبنان، الأمر الذي قد يعقد فرص تثبيت أي اتفاق دائم لوقف الحرب.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، تبدو المفاوضات الأمريكية الإيرانية أمام مرحلة حاسمة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والنووية والاقتصادية، فيما يبقى مضيق هرمز العقدة الأكثر حساسية في أي تفاهم محتمل بين الطرفين.