بودابست-سانا
تشهد هنغاريا تحولاً سياسياً لافتاً بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت أمس الأحد، والتي أظهرت تقدماً واضحاً لحزب “تيسا” بزعامة بيتر ماجيار، مقابل تراجع حزب “فيدس” بزعامة رئيس الوزراء المنتهية ولايته فيكتور أوربان، في انتخابات اعتبرت من أكثر الاستحقاقات السياسية أهمية في البلاد منذ التحول الديمقراطي مطلع التسعينيات.
وأقر أوربان بالهزيمة بعد صدور النتائج الأولية، قائلاً: إن “النتائج واضحة ومؤلمة”، مؤكداً أن حزبه سيواصل العمل من صفوف المعارضة.
أغلبية برلمانية واسعة ومشاركة قياسية
وأظهرت النتائج، حصول حزب “تيسا” على نحو 138 مقعداً من أصل 199 مقعداً في البرلمان، مقابل نحو 54-56 مقعداً لحزب “فيدس”، فيما حصل حزب “وطننا” على قرابة 8 مقاعد.
وتتيح هذه النتائج لحزب “تيسا” تحقيق أغلبية دستورية تتجاوز ثلثي البرلمان (133 مقعداً)، وهي أغلبية تمنحه القدرة على تمرير إصلاحات تشريعية واسعة دون الحاجة إلى تحالفات.
كما سجلت الانتخابات نسبة مشاركة قياسية بلغت نحو 77.8 بالمئة إلى نحو 79 بالمئة وفق تقديرات رسمية، وهي الأعلى في تاريخ البلاد، في مؤشر على حجم الاهتمام الشعبي بهذا الاستحقاق.
وقال ماجيار عقب إعلان النتائج:
“المجر فازت”، مشيراً إلى أن الناخبين اختاروا “بين مسارين سياسيين مختلفين لمستقبل البلاد”.
نهاية مرحلة سياسية استمرت 16 عاماً
تشكل هذه النتائج نهاية مرحلة سياسية امتدت منذ عام 2010، قاد خلالها أوربان الحكومات المتعاقبة، وسعى خلالها إلى ترسيخ نموذج سياسي ركز على تعزيز السيادة الوطنية، وتوسيع صلاحيات الدولة في مواجهة مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
وخلال الحملة الانتخابية، اعتبر أوربان أن الانتخابات تمثل خياراً بين “الحرب والسلام”، محذراً من أن فوز المعارضة قد يقود إلى تغيير في سياسة البلاد تجاه الحرب في أوكرانيا، وهو ما نفاه منافسه ماجيار.
في المقابل، ركزت حملة حزب “تيسا” على ملفات مكافحة الفساد، وتحسين الخدمات العامة، وإصلاح العلاقات مع الاتحاد الأوروبي.
صعود سياسي سريع لبيتر ماجيار
ويعد ماجيار (45 عاماً) من أبرز الوجوه السياسية الصاعدة في هنغاريا خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقل خلال فترة قصيرة من العمل في مواقع حكومية وإدارية، إلى قيادة أحد أبرز التحديات السياسية لحزب “فيدس”.
وكان ماجيار عضواً سابقاً في دوائر قريبة من الحزب الحاكم قبل أن يتحول إلى أحد أبرز منتقديه، مستنداً إلى برنامج سياسي يركز على إصلاح المؤسسات وتعزيز الشفافية وتحسين العلاقة مع الشركاء الأوروبيين.
كما نجح حزبه عام 2024 في الحصول على نحو 29.6 بالمئة من الأصوات في انتخابات البرلمان الأوروبي، ما شكل قاعدة انطلاق مهمة نحو الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
تأثيرات اقتصادية محتملة للنتائج
تأتي الانتخابات في ظل تحديات اقتصادية واجهتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، أبرزها ارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ النمو الاقتصادي، وهي عوامل اعتبرها محللون من بين المؤثرات الأساسية في اتجاهات التصويت.
وقد تمهد النتائج الطريق أمام تسهيل تمرير قرض أوروبي بقيمة نحو 90 مليار يورو مخصص لدعم أوكرانيا، والذي كانت بودابست تعارضه في السابق.
تداعيات على موقع هنغاريا داخل الاتحاد الأوروبي
تحظى نتائج الانتخابات بمتابعة واسعة داخل الاتحاد الأوروبي، وقد هنأ عدد من القادة الأوروبيين ماجيار بالفوز، بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي أكد أهمية “المضي قدماً نحو أوروبا أكثر قدرة وتنافسية”، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الذي اعتبر أن الانتخابات تمثل محطة مهمة للمواطنين الهنغاريين.
كما أعربت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، عن استعدادها للعمل مع الحكومة المقبلة، فيما أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، أهمية التعاون من أجل “أوروبا قوية وآمنة”.
أبعاد دولية تتجاوز الحدود الهنغارية
حظيت الانتخابات أيضاً بمتابعة من الولايات المتحدة وروسيا، نظراً لدور هنغاريا خلال السنوات الماضية في عدد من الملفات الإقليمية والدولية.
وخلال الحملة الانتخابية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمه لأوربان، كما أجرى نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس زيارة إلى بودابست قبل الانتخابات.
كما حافظت حكومة أوربان سابقاً على علاقات تعاون وثيقة مع روسيا، وهو ما جعل نتائج الانتخابات محط متابعة من موسكو أيضاً.
في المقابل، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استعداده للعمل مع الحكومة الجديدة لتعزيز التعاون الثنائي ودعم الاستقرار في أوروبا.
ملفات السياسة الخارجية في المرحلة المقبلة
تشير تصريحات قيادة حزب “تيسا” إلى توجه نحو إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية، باتجاه تطوير العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وتعزيز التعاون داخل حلف شمال الأطلسي، إضافة إلى تقليل الاعتماد على الطاقة الروسية تدريجياً، فيما تؤكد قيادة الحزب استمرار بعض السياسات المتعلقة بحماية الحدود والهجرة.
وفي ظل الأغلبية البرلمانية الواسعة التي حققها “تيسا”، تتجه الأنظار إلى الخطوات الأولى للحكومة المقبلة، والتي ستحدد إلى حد كبير اتجاهات السياسة الداخلية والخارجية للبلاد خلال السنوات القادمة.