نيودلهي-سانا
يقترب اقتصاد الهند، المصنف خامساً عالمياً، من تجاوز اقتصاد اليابان، في تحول يعكس تغيراً لافتاً في موازين القوة الاقتصادية الدولية، حيث تشير التقديرات الرسمية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للهند مرشح لتجاوز أربعة تريليونات دولار بقليل في السنة المالية المنتهية في آذار 2026، مقابل نحو 4.4 تريليونات دولار لليابان في عام 2025.
وبينما بلغ الناتج الهندي وفق تقديرات حديثة 4.187 تريليونات دولار، ما يعني أن الفجوة بين البلدين تضيق تدريجياً، تتوقع المؤسسات الدولية أن يسجل الاقتصاد الهندي نمواً بين 6.6 بالمئة وفق صندوق النقد الدولي و7.4 بالمئة بحسب التقديرات الحكومية، مقابل نمو يناهز 1 بالمئة فقط في اليابان، إلا أن قياس الاقتصادات بالدولار يجعل أسعار الصرف عاملاً حاسماً؛ إذ تراجعت الروبية الهندية بنحو 5 بالمئة في 2025، ما حدّ من أثر النمو عند تحويله إلى العملة الأميركية، في حين استفاد الاقتصاد الياباني من قوة نسبية في الين.
قوة ديمغرافية داعمة للنمو
يشكل العامل السكاني أحد أبرز عناصر التفوق النسبي للهند، فقد ارتفع عدد سكانها من نحو 361 مليون نسمة عند الاستقلال عام 1947 إلى أكثر من 1.4 مليار نسمة حالياً، مع متوسط عمر بلغ 28 عاماً في عام 2021.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 65 بالمئة من السكان سيظلون دون 59 عاماً حتى عام 2036، ما يمنح البلاد ما يعرف بـ “العائد الديمغرافي”، في وقت تواجه فيه اليابان شيخوخة سكانية متسارعة.
ويسهم هذا الواقع في تعزيز الاستهلاك الداخلي الذي يشكل نحو 60 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات باستمرار نموه بمعدل يقارب 7 بالمئة خلال السنة المالية الجارية.
كما يدفع هذا الزخم الطلب على الإسكان والسيارات والهواتف الذكية والخدمات الرقمية، وقد سجل الاقتصاد الهندي نمواً قوياً في الربعين الأولين من السنة المالية نفسها بلغ 7.8 و8.2 بالمئة، ما يعكس قدرة واضحة على الصمود في مواجهة الضبابية الاقتصادية العالمية.
خدمات رائدة وصناعة في طور التوسع
وتسهم الخدمات بأكثر من 60 بالمئة من الناتج المحلي، مدفوعة بقطاعات تكنولوجيا المعلومات والخدمات المالية والسياحة والرعاية الصحية، أما القطاع الصناعي فيمثل نحو 13 بالمئة من الناتج، مع توقعات بنموه 7 بالمئة مقارنة بـ 4.5 بالمئة في العام الماضي، كما يتوقع أن ينمو قطاع البناء 7 بالمئة، والقطاع الزراعي 3.1 بالمئة بعد تباطؤ سابق.
وتواصل الحكومة الاستثمار بكثافة في البنية التحتية، مع زيادة متوقعة في الإنفاق الحكومي بنسبة 5.2 بالمئة، وارتفاع الاستثمار الخاص بنحو 7.8 بالمئة، إذ تسعى نيودلهي إلى جذب الشركات العالمية عبر الحوافز الضريبية وبرامج الدعم المرتبط بالإنتاج، ما دفع شركات مثل سامسونغ وفوكسكون إلى توسيع إنتاج الهواتف الذكية في الهند، كما يشهد قطاع السيارات الكهربائية نمواً تدريجياً، إذ تشكل مبيعاتها 4.6 بالمئة من إجمالي السيارات.
تحديات هيكلية مستمرة
ورغم الزخم القائم، لا تزال التحديات ماثلة، فقد سجلت الروبية أدنى مستوياتها في 2025، ويتراوح العجز المالي بين 4.1 و4.2 بالمئة، ويبقى توفير فرص العمل التحدي الأكبر في بلد يضم أكثر من 1.4 مليار نسمة ونسبة مرتفعة من الشباب الداخلين إلى سوق العمل سنوياً.
ويبلغ نصيب الفرد من الدخل نحو 2,818 دولاراً، ما يبقي الهند ضمن شريحة الدول متوسطة الدخل الدنيا، وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تقليص الفجوة مع الاقتصادات المتقدمة سيتطلب عقوداً من النمو المستدام، ما يعني أن كِبر حجم الاقتصاد لا يعكس بالضرورة تحسناً فورياً في مستويات المعيشة.
بين الترتيب العالمي والطموح الجيوسياسي
وتتجاوز مسألة تخطي اليابان بعدها الرقمي إلى سؤال أعمق حول موقع الهند في النظام العالمي، فقد أشار رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير إلى إمكانية صعود الهند كقوة عظمى بحلول منتصف القرن، فيما تعهد رئيس الوزراء ناريندرا مودي بجعل بلاده ثالث أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2047.
وبين المؤشرات الإيجابية والتحديات البنيوية، تقف الهند عند منعطف حاسم: اقتصاد سريع النمو مدفوع بقاعدة سكانية شابة واستهلاك متوسع واستثمارات متزايدة، مقابل تحديات تتعلق بالتشغيل وعدم المساواة واستقرار العملة، ويبقى السؤال ما إذا كان تجاوز اليابان سيكون محطة عابرة في ترتيب الاقتصادات الكبرى، أم بداية تحول طويل الأمد في ميزان القوى الاقتصادية العالمية.