عواصم-سانا
يبدو الخلاف الظاهر بين الولايات المتحدة وأوروبا حول عدد من القضايا، والذي بات يتصاعد بشكل دراماتيكي مؤخراً، مؤشراً على تباعد في السياسات والرؤى تجاه قضايا بينية ودولية حساسة، بعد عقود طويلة من تحالف إستراتيجي وأمني ودفاعي وسياسي ظهر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، واستمر رغم العواصف والخلافات.
وقد أخذت الهوة بين الجانبين في الاتساع، وخصوصاً فيما يخص قضايا الحرب الأوكرانية وقضية غرينلاند والرسوم الجمركية وملفات الدفاع المشترك، وصولاً إلى النظرة للنظام العالمي القائم وسبل تطويره، في وقت ظهرت، أمس الجمعة خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، دعوات أوروبية لرأب الصدع بين واشنطن وبروكسل.
دعوة أوروبية لرأب الصدع
وبحسب ما ذكرت وكالة فرانس برس، دعا الأوروبيون في اليوم الأول من مؤتمر ميونيخ للأمن الولايات المتحدة إلى حل الخلافات والعودة للتعاون، وحضّوا “الأصدقاء الأمريكيين” على الكف عن “انتقاد” القارة العجوز، وعلى إحياء الثقة بين ضفتي الأطلسي.
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في كلمة بالإنكليزية في مؤتمر ميونيخ السنوي للأمن: “تم انتقاد أوروبا باعتبارها كياناً عجوزاً، بطيئاً، ومجزأ، ومهمشاً بفعل التاريخ، باعتبارها اقتصاداً مفرط التنظيم وخاملاً، ينأى بنفسه عن الابتكار.. باعتبارها مجتمعاً يعاني هجرات همجية تُفسد تقاليده العريقة”، وهو ما اعتبره المراقبون رداً على خطاب ألقاه نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس خلال نسخة العام الماضي من المؤتمر نفسه.
وطالب ماكرون بضرورة التعامل مع أوروبا “كمثال” يُحتذى به والكف عن “تشويه صورتها” بينما قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس بالإنكليزية أيضاً في افتتاح المؤتمر بمشاركة أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة: “فلنصلح ولنحيي معاً الثقة بين ضفتي الأطلسي”، مضيفاً: “في عصر التنافس بين القوى الكبرى، لن تكون الولايات المتحدة قوية بما يكفي لكي تعتمد على نفسها حصراً”.
وتحدث الرئيس الفنلندي ألكسندر ستاب قائلاً: “ثمة مسائل يمكننا العمل عليها مع الأمريكيين، كحلف شمال الأطلسي، والدفاع، والتكنولوجيا، والمعادن، وبالتالي ثمة أشياء كثيرة يمكننا القيام بها، مع وجود اختلاف ودي حول الأمور المتعلقة بالاتحاد الأوروبي أو المؤسسات الدولية، والنظام الدولي الليبرالي والتغير المناخي”.
أما الأمين العام لحلف شمال الاطلسي مارك روته فرأى أن وجود “أوروبا قوية داخل ناتو قوي يعني أن الصلة بين ضفتي الأطلسي ستكون أقوى من أي وقت مضى” وهو ما أشارت إليه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالقول: إن على الولايات المتحدة وأوروبا العمل معاً في مجالات الأمن والاقتصاد، داعية إلى إستراتيجية أوروبية أمنية جديدة.
من جهته، حض رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أوروبا على الحد من اعتمادها على الولايات المتحدة على الصعيد الدفاعي، وقال: “أتحدث عن رؤية للأمن الأوروبي وعن قدر أكبر من الاستقلالية الأوروبية” من دون أن يعني ذلك انسحاباً أمريكياً “بل تلبية لنداء يدعو إلى تقاسم أكبر للأعباء ويعيد صياغة الروابط”.
رسائل طمأنة أمريكية بعد التصعيد
وفي مقابل الدعوات الأوروبية، حاول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم السبت، أن يبعث برسائل طمأنة للحلفاء الأوربيين من مؤتمر ميونخ للأمن، وقال: إن “الولايات المتحدة وأوروبا تنتميان إلى بعضهما البعض، وإن واشنطن لا تهدف ولا ترغب في إنهاء التحالف عبر الأطلسي.”
وانطلق روبيو خلال كلمته في مؤتمر ميونيخ للأمن من تاريخ المؤتمر الذي يعود إلى عام 1963 وقال: “نجتمع هنا اليوم كأعضاء في تحالف تاريخي، تحالف أنقذ العالم وغّير مجراه”، مضيفاً: إن “نهاية الحقبة عبر الأطلسي ليست هدفنا ولا رغبتنا، وبالنسبة لنا كأمريكيين قد يكون موطننا في النصف الغربي من الكرة الأرضية، لكننا سنبقى دائماً أبناءً لأوروبا”.
وأشار روبيو إلى أن الولايات المتحدة “ترسم مسار قرن جديد من الازدهار” لكنها تريد أن تسلك هذا الطريق بالشراكة مع أوروبا، وأوضح أن الولايات المتحدة تريد إعادة تنشيط التحالف مع أوروبا انطلاقاً من إدراك مشترك بأن ما أصاب المجتمعات الغربية ليس مجرد مجموعة من السياسات السيئة بل حالة من اليأس والرضا عن الذات.
أوكرانيا وغرينلاند والنظام الدولي.. نقاط خلاف عالقة
ورغم هذا الخطاب الودي إلا أن الخلافات تبدو أعمق حول العديد من القضايا الجوهرية حيث تبرز قضية الحرب الأوكرانية الروسية والرؤى المتباعدة بين واشنطن التي تريد حلاً سريعاً ولو على حساب تنازلات تقدمها كييف لمصلحة روسيا، بينما يصر الأوروبيون على استمرار دعم أوكرانيا عسكرياً ومادياً في مواجهة روسيا.
القضية الثانية التي صعّدت من حدة الخلاف بين الجانبين تمثلت في مسألة غرينلاند التي لوّح ترامب بالاستحواذ عليها، وهو ما رفضته الدول الأوروبية واعتبرته ضربة للنظام الدولي القائم، بينما دخل الجانبان في معركة رسوم جمركية متبادلة ما أثر على التبادل الاقتصادي بينهما.
ويضاف إلى هذه الخلافات التجاذب حول وضع حلف الناتو حيث يصر ترامب على ضرورة تحمل أوروبا عبئاً أكبر في الدفاع عن نفسها، بينما تصر الدول الأوروبية على التمسك بالهيكل القائم وفق نفس المعايير ونفس الواجبات، وأيضا تبرز النظرة المتباينة إلى المنظمات الدولية وتحديداً الأمم المتحدة في ظل رغبة ترامب ومحاولاته إنشاء هياكل موازية تفرغ المنظمة الأممية من مضمونها ومسؤولياتها.
كل هذه النقاط وتراكمها وتصاعد نبرة النقاشات حولها تثير، بحسب المتابعين، تساؤلات حول وضع العلاقات الأمريكية الأوروبية الحالي، وهل تمر بمجرد أزمة عابرة أم إنها دخلت مسار الخلافات الإستراتيجية التي تهدد مستقبلها.