باكو-سانا
أحيا الشعب الأذربيجاني اليوم الثلاثاء الذكرى الـ 36 لمأساة “كانون الثاني الأسود”، تلك الليلة الدامية من عام 1990 التي شهدت اقتحام القوات السوفيتية العاصمة باكو ومناطق أخرى من البلاد، ما أسفر عن سقوط مئات الضحايا المدنيين بين قتيل وجريح.
وقد بدأت الأحداث المؤسفة في أعقاب تصويت برلمان إقليم قره باغ الجبلية ذاتي الحكم عام 1988 لصالح الانضمام إلى أرمينيا، ما أشعل فتيل توترات عرقية، ودفع الشعب الأذربيجاني إلى الخروج بمظاهرات سلمية تطالب بالحفاظ على وحدة أراضي الجمهورية، وتنديداً بصمت السلطات السوفيتية حيال الصراع، لكن مع تصاعد الحركة الوطنية المطالبة بالسيادة، شعرت القيادة السوفيتية بالقلق وقررت التدخل العسكري لقمع هذه الموجة الشعبية.
في ليلة الـ 20 من كانون الثاني، دخلت وحدات الجيش السوفيتي باكو بمركبات مدرعة ودبابات، بحجة “استعادة النظام”، لكنها سرعان ما انقلبت إلى حملة قمع عنيفة طالت المتظاهرين العُزّل والمارة وحتى سيارات الإسعاف، وحسب الأرقام الرسمية قُتل 147 شخصاً وأُصيب 744 آخرون، فيما يعتقد شهود عيان ومنظمات محلية أن العدد الحقيقي للضحايا أعلى بكثير، وشملت قائمة الضحايا نساء وأطفالاً وشيوخاً، جمعتهم لحظة واحدة من الألم الوطني.
شرارة الصحوة الوطنية
وأثار هذا الاستخدام المفرط للقوة إدانات واسعة محلياً ودولياً، رغم محاولات موسكو تبرير التدخل بادعاءات حول “العنف الشعبي”، إلا أن مجزرة كانون الثاني لم تُخمِد روح المقاومة، بل كانت شرارة الصحوة الوطنية التي دفعت الآلاف إلى التدفق في جنازات الضحايا، حيث تحولت مراسم التشييع إلى مظاهرات حاشدة ترفع علم أذربيجان وتطالب بالاستقلال.
وعلى الرغم من تردّد العديد من الدول الغربية بإدانة الاتحاد السوفيتي علناً آنذاك، بسبب أجواء الحرب الباردة، فإن الحدث لفت انتباه العالم إلى قضية أذربيجان وعزّز التضامن معها في أوساط الجاليات الأذربيجانية في المهجر.
وشكلت مأساة الـ 20 من كانون الثاني نقطة تحول حاسمة في مسار النضال من أجل الحرية، إذ لم يمرّ أقل من عامين حتى أعلنت أذربيجان استقلالها في ال 18 من تشرين الأول 1991، لتُصبح دولة ذات سيادة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
ومنذ ذلك الحين، يُحيي الشعب الأذربيجاني في كل عام ذكرى “كانون الثاني الأسود” كيوم حداد وطني، حيث يتدفق المواطنون منذ الساعات الأولى من الصباح إلى مقبرة الشهداء في باكو، حاملين زهور القرنفل الحمراء، تكريماً لأرواح من ضحّوا بأنفسهم من أجل الحرية والكرامة الوطنية.
واليوم، لا يزال “كانون الثاني الأسود” رمزاً حياً للوحدة الوطنية والصمود، ومصدر إلهام للأجيال الجديدة في الدفاع عن السيادة، والسلامة الإقليمية، وحقوق الإنسان، فالمأساة التي خلّفتها تلك الليلة الدامية لم تمحَ من الذاكرة الجماعية، بل أصبحت درساً خالداً في قيمة الحرية، والتضحية دفاعاً عن الوطن.