دمشق-سانا
تمثل الكوارث الطبيعية أحد أبرز التحديات التي تهزّ استقرار العالم في القرن الحادي والعشرين، ليس فقط بسبب ما تخلفه من خسائر بشرية ومادية مباشرة، بل أيضاً لما تسببه من اضطرابات عميقة في البنية الاقتصادية العالمية.
ومع تزايد حدّة الظواهر المناخية من أعاصير وفيضانات وحرائق غابات وزلازل، باتت الاقتصادات مهما بلغت قوتها، عرضة لهزّات مفاجئة تربك سلاسل الإمداد، وتضعف الإنتاج، وتفاقم الأزمات المالية.
وفي ظل ترابط الأسواق وتشابك المصالح بين الدول، لم تعد آثار الكوارث محصورة ضمن حدود جغرافية محددة، بل باتت تمتد لتطول الاقتصاد العالمي بأكمله، ما يفرض إعادة التفكير في آليات الصمود والاستعداد لمستقبل أكثر تقلباً.
وشهد عام 2025 كارثة طبيعية هزّت العالم واقتصاده معاً، بعدما تسببت حرائق الغابات في لوس أنجلوس بخسائر إجمالية بلغت 53 مليار دولار، منها 13 ملياراً غير مشمولة بالتأمين، في رقم قياسي غير مسبوق في تاريخ حرائق الغابات.
224 مليار دولار خسائر 2025
وحذّرت شركة “ميونخ ري” الألمانية المتخصصة في إعادة التأمين، والتي توثق أضرار الكوارث العالمية منذ سبعينيات القرن الماضي، من الارتفاع المستمر في الأضرار الناجمة عن المخاطر الثانوية المرتبطة بالكوارث الطبيعية، مشيرة إلى أن ارتفاع درجات حرارة الأرض يزيد من حجم هذه الخسائر.
ووفقاً لبيانات الشركة، بلغت الخسائر العالمية الناتجة عن الكوارث الطبيعية خلال العام الماضي 224 مليار دولار، كما سجلت الكوارث، بما فيها حرائق الغابات والعواصف والزلازل، أضراراً بقيمة 131 مليار دولار في النصف الأول من عام 2025، وهو ثاني أعلى مستوى خسائر يُسجّل خلال النصف الأول من العام منذ 1980.
الأعاصير والزلازل.. الأكثر تدميراً
وذكرت شبكة “سي إن بي سي” أن الإعصارين هيلين وميلتون اللذين ضربا الولايات المتحدة في أيلول وتشرين الأول 2024 كانا من بين أكثر الكوارث تدميراً خلال العام، فقد تسبب إعصار هيلين وحده بخسائر بلغت 56 مليار دولار، بينما بلغت خسائر إعصار ميلتون 38 مليار دولار.
زلزال سوريا وتركيا 2023
وبلغت خسائر النصف الأول من عام 2023 جراء الكوارث الطبيعية 120 مليار دولار، بحسب تقديرات شركة “سويس ري” السويسرية لإعادة التأمين، حيث كان الزلزال الذي ضرب سوريا وتركيا في شباط 2023 الأكثر كلفة، إذ وصلت خسائره الاقتصادية إلى 34 مليار دولار، إضافة إلى آلاف الضحايا الذين قضوا في تلك المأساة.
كما شهدت اليابان زلزالاً بقوة 7.5 درجات على مقياس ريختر ضرب الساحل الغربي في يوم رأس السنة قبل عامين، وقدرت خسائره بنحو 15 مليار دولار.
كلفة الكوارث أعلى بـ 10 مرات
وكشف تقرير للأمم المتحدة في أيار الماضي أن العالم يقلل بشكل خطير من تقدير الكلفة الحقيقية للكوارث الطبيعية، محذراً من أن الخسائر الفعلية قد تصل إلى 2.3 تريليون دولار سنوياً، أي ما يعادل عشرة أضعاف التقديرات السابقة، مع تأثيرات تمتد إلى قطاعات الصحة والإسكان والتعليم والعمالة.
وأشار التقرير إلى أن التقديرات التقليدية للخسائر الاقتصادية الناتجة عن الطوارئ الطبيعية مثل الزلازل والانهيارات الأرضية والفيضانات كانت تُقدّر بنحو 200 مليار دولار سنوياً فقط، وهو ما وصفته مديرة قسم تحليل المخاطر والإبلاغ العالمي في الأمم المتحدة جينتي كيرش وود بأنه جزء ضئيل من التكاليف الحقيقية.
حرائق مدمرة، زلازل مروّعة، وأعاصير عاتية، لم تعد مجرد أحداث بيئية عابرة، بل تحولت إلى قضايا إنسانية واقتصادية كبرى تدفع العالم إلى إعادة صياغة استراتيجياته للتخفيف من آثارها، ومع تصاعد حجم الخسائر إلى مئات المليارات، وتحذيرات أممية من أن الضرر الحقيقي أكبر بكثير، يبرز سؤال جوهري: هل ستعيد الكوارث الطبيعية تشكيل اقتصادات دول العالم؟