بكين/طوكيو-سانا
تشهد العلاقات بين الصين واليابان في الآونة الأخيرة عودة ملحوظة إلى دائرة التوتر، في تصعيد يعكس تراكم خلافات تاريخية ممتدة بين البلدين، وجاء ذلك عقب تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي المؤيدة لتايوان، وردود بكين الحازمة التي أكدت أنها لن تسمح بالمساس بسيادتها.
وتعود جذور الخلاف بين البلدين إلى أكثر من قرن، بدءاً من الغزو الياباني للصين مروراً بالحروب الكبرى، وصولاً إلى مرحلة تطبيع العلاقات في السبعينيات، وتركت هذه الخلفية التاريخية ندوباً دائمة في العلاقات الثنائية، بحيث يُقرأ كل تصريح سياسي أو تحرك عسكري في سياق مثقل بالشكوك وانعدام الثقة المتبادلة.
نزاعات متشابكة
اليوم تتداخل هذه الخلافات مع النزاع المستمر حول جزر سينكاكو/دياويو التي تطالب بها الصين وتسيطر عليها اليابان، إضافة إلى ملف تايوان التي تعتبرها بكين جزءاً لا يتجزأ من أراضي البلاد وتسعى لاستعادتها، بينما يظهر موقف طوكيو أقرب إلى تايوان منه إلى بكين، وهذه الدينامية تجعل المنطقة شديدة الحساسية، حيث يمكن لأي حادث صغير أن يتحول إلى أزمة واسعة النطاق.
التصعيد الأخير
جاء التصعيد الأخير إثر تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية حول إمكانية التدخل العسكري لصالح تايوان في مواجهة أي خطوة صينية، وهو ما اعتبرته بكين تجاوزاً للخطوط الحمراء، وردّت عليه بإجراءات اقتصادية ودبلوماسية صارمة.
الاقتصاد كساحة مواجهة
إلى جانب البعد السياسي والعسكري، يبرز الاقتصاد كساحة صراع جديدة، فرغم أن الصين واليابان من أكبر الشركاء التجاريين في المنطقة، إلا أن التوتر السياسي ينعكس سريعاً على التجارة والاستثمارات، وقد ظهر ذلك في قرارات بكين الأخيرة بتعليق واردات المأكولات البحرية اليابانية وتقليص السياحة إلى اليابان، وهو قطاع يشكل مورداً مهماً للإيرادات.
في المقابل، تعمل طوكيو على تقليص اعتمادها على الصين في سلاسل التوريد، وخصوصاً في المواد الاستراتيجية مثل المعادن النادرة، التي تُعد أساساً لصناعة التكنولوجيا والسيارات اليابانية، ويتميز النزاع الحالي عن الخلافات السابقة بأن الاقتصاد أصبح أداة ضغط مباشرة، تسمح لكل طرف بتوجيه ضربات مؤثرة لاقتصاد الآخر دون الدخول في مواجهة عسكرية.
مسرح للتوازنات
لا يأتي النزاع بين الصين واليابان من فراغ، إذ يمتلك كل طرف شبكة من الحلفاء الذين يضطلعون بأدوار مباشرة وغير مباشرة في تعزيز التحالفات العسكرية والاقتصادية، ويزيد هذا التشابك من تعقيد الأزمة، ويحوّلها إلى مسرح لتوازنات القوى الإقليمية والدولية.
يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتمكن بكين وطوكيو من إدارة خلافاتهما دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من الصراع والسباق على النفوذ؟ المؤشرات الحالية توحي بأن التوازن هش، وأن أي شرارة صغيرة قد تشعل تصعيداً واسعاً، ما يجعل متابعة خطوات الطرفين المقبلة أمراً بالغ الأهمية لكل المعنيين باستقرار شرق آسيا.