دمشق-سانا
تتزايد المؤشرات يوماً بعد يوم على اقتراب العالم من نقطة اللاعودة في أزمة المياه، فمع تسارع وتيرة التغير المناخي، وازدياد موجات الجفاف وحرائق الغابات وذوبان الجليد، لم يعد الحديث عن “خطر مستقبلي”، بل عن واقع قائم يهدد الأمن الإنساني والغذائي والاقتصادي لمليارات البشر.
يشير تقرير الأمم المتحدة للمياه إلى أن أكثر من ملياري إنسان يعيشون اليوم من دون وصول منتظم إلى مياه شرب آمنة، فيما تُقدّر الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الجفاف وحده بعشرات المليارات سنوياً، ما يجعل أزمة المياه التحدي الأخطر في عصر المناخ.
المياه في قلب أزمة المناخ
العلاقة بين المياه وتغير المناخ تتجسد في حلقة مغلقة من التأثيرات المتبادلة، فارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى تسارع التبخر وتراجع مخزون الأنهار والبحيرات، بينما تتسبب الفيضانات والسيول المتكررة في تدمير البنى التحتية ومصادر المياه العذبة.
ويحذر الخبراء من أن ثلثي سكان العالم قد يعيشون بحلول عام 2030 في مناطق تعاني من “إجهاد مائي حاد” إذا لم تُراجع السياسات المائية جذرياً.
المياه في صدارة “COP30”
وسط تصاعد التحذيرات، يُعقد حالياً مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة للمناخ “COP30” في مدينة بيليم البرازيلية، حيث تتزايد الدعوات لوضع ملف المياه في قلب المفاوضات المناخية.
ومن المتوقع أن يناقش المؤتمر آليات تمويل جديدة لدعم مشاريع إدارة المياه ومواجهة الجفاف في الدول النامية، وخاصة في إفريقيا والشرق الأوسط، إلى جانب توسيع مبادرة “العمل من أجل المياه والمناخ” التي أطلقتها الأمم المتحدة عام 2022، فيما يأمل الخبراء أن يكون المؤتمر محطة عملية لاكتشاف حلول واقعية لأحد أكثر الملفات التصاقاً بحياة الإنسان اليومية.
ندرة تتسع.. ومليارات بلا مياه مأمونة
تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن نحو 70% من المياه العذبة تُستهلك في الزراعة، ما يجعل الأمن الغذائي في صميم أزمة المياه.
في المقابل، يعاني أكثر من ملياري شخص من غياب خدمات المياه النظيفة والصرف الصحي، فيما يواجه 3.5 مليارات شخص نقصاً موسمياً أو دائماً في المياه، هذه الأرقام لا تعكس فقط اختلالاً بيئياً، بل تهدد النمو والاستقرار في دول العالم النامي على وجه الخصوص.
أوروبا أمام واقع جاف
القارة الأوروبية، التي لطالما عُرفت بغناها بالأنهار والأمطار، تواجه اليوم مواسم جفاف غير مسبوقة، ففي فرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليونان، تراجعت مستويات الأنهار الكبرى بشكل حاد، ما دفع العديد من الدول إلى إعلان خطط طوارئ لتقنين المياه.
ويشير تقرير المفوضية الأوروبية إلى أن أكثر من 30% من الأراضي الزراعية في الاتحاد الأوروبي مهددة بالجفاف المستمر، ما ينعكس سلباً على الأمن الغذائي وقطاع الطاقة.
الشرق الأوسط.. الأكثر عطشاً
تُعد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من أكثر مناطق العالم معاناة من شح المياه، إذ لا تمتلك سوى 1% من الموارد المائية المتجددة رغم أن سكانها يتجاوزون 5% من سكان العالم.
وتشهد دول المنطقة تراجعاً حاداً في نصيب الفرد من المياه، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الطلب الزراعي والصناعي، ما دفع بعض الحكومات إلى اللجوء لحلول طارئة مثل تحلية مياه البحر وإعادة استخدام المياه المعالجة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الإدارة المستدامة والعدالة في توزيع الموارد.
سوريا.. عقد من الجفاف
تعاني سوريا منذ أكثر من عقد من تراجع واضح في الموارد المائية نتيجة التغيرات المناخية وتناقص كميات الأمطار وتكرار موجات الجفاف، ما أثر بشكل مباشر على الزراعة والإنتاج الغذائي، وخاصة في المناطق الشرقية والشمالية التي تعتمد على الزراعة المطرية.
وتعمل الجهات المعنية على تنفيذ مشاريع لإعادة تأهيل شبكات المياه، وتحسين كفاءة الري، وتطوير محطات التحلية، إلى جانب تشجيع المبادرات المجتمعية لترشيد الاستهلاك وحماية الموارد الجوفية.
الابتكار والتمويل.. الطريق نحو الحل
تتفق المؤسسات الدولية على أن الحل لا يكمن فقط في البحث عن موارد جديدة، بل في تحسين إدارة الموارد المتاحة، إذ يدعو البنك الدولي إلى اعتماد “تخزين المياه الهجين”، الذي يجمع بين السدود الاصطناعية والموارد الجوفية والأنظمة البيئية الطبيعية لضمان استدامة الإمدادات.
كما تسعى دول عدة إلى توسيع استخدام تقنيات الزراعة الذكية وإعادة تدوير المياه في الصناعة، بينما تشجع الأمم المتحدة على تبني مقاربة “المياه من أجل السلام” لتفادي النزاعات المستقبلية حول الأنهار العابرة للحدود.
في عالم تتزايد فيه الحرائق والجفاف والعواصف، لم تعد أزمة المياه قضية بيئية فحسب، بل تهديد وجودي لأمن الإنسان واستقراره، فإما أن يتحرك العالم نحو إدارة عادلة ومستدامة للمياه، أو أن يجد نفسه قريباً أمام أول نزاعات القرن الحادي والعشرين التي تُشعلها قطرة ماء.