دمشق-سانا
تواجه إدارة النفايات الصلبة في سوريا تحديات متراكمة، في ظل خطة لإغلاق نحو 1400 مكب عشوائي، بالتوازي مع تطوير عمليات الجمع والفرز وصولاً إلى إعادة التدوير.
استراتيجية وطنية لإدارة النفايات
وضعت وزارة الإدارة المحلية والبيئة ضمن مسودة الاستراتيجية الوطنية لإدارة النفايات الصلبة خطة طويلة الأمد لإغلاق نحو 1400 مكب عشوائي، بالتوازي مع تطوير عمليات جمع النفايات وفرزها وصولاً إلى إعادة التدوير.
وخلال ورشة مناقشة المسودة الأولية للاستراتيجية في 28 كانون الثاني 2026، أكدت الوزارة أن التوجه يقوم على الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى منظومة متكاملة ومستدامة لإدارة النفايات، تشمل تحسين عمليات الجمع والترحيل والمعالجة، وتوفير الآليات والمعدات اللازمة للوحدات الإدارية.
وأدرجت الوزارة احتياجات المحافظات من آليات النظافة ضمن الخطط الاستثمارية لعامي 2025 و2026، مع التركيز على تأمين الضواغط والكانسات وآليات غسيل الحاويات، بما يدعم قدرة الوحدات الإدارية على تنفيذ مهامها.
مراجعة قانون النظافة.. تنظيم المسؤوليات وتطوير المعالجة
وفي 2 آب الجاري، بدأت وزارة الإدارة المحلية والبيئة مراجعة قانون النظافة العامة وإدارة النفايات رقم 49 لعام 2004، بهدف تطوير آليات إدارة النفايات، وتعزيز وضوح المسؤوليات ورفع كفاءة جمعها ونقلها ومعالجتها والحد من المخالفات.
وتأتي مراجعة القانون ضمن الجهود الرامية إلى تطوير منظومة إدارة النفايات، وتعزيز الاستفادة من مكوناتها، بما ينسجم مع التوجه نحو إدارة أكثر تكاملاً واستدامة.
دمشق.. تراكم النفايات يكشف تحديات الجمع والترحيل
في دمشق، تتواصل حملات ترحيل النفايات ومعالجة النقاط التي تشهد تراكمات، في وقت تواجه فيه عمليات الجمع والترحيل تحديات مرتبطة بتوافر الحاويات والآليات وانتظام العمل في بعض المناطق.
وفي حي الدحاديل، نقلت “سانا” شكاوى مواطنين من تراكم أكوام النفايات وانبعاث الروائح الكريهة، مشيرين إلى أن جانباً من المشكلة يرتبط برمي مخلفات أسواق الخضار ومحلات بيع الفروج بجانب الحاويات، ومطالبين بزيادة عددها وتشديد الرقابة على المخالفات.
وقال أحد عمال النظافة لـ سانا: إن مشكلة تراكم النفايات ترتبط بعدد مرات الترحيل من جهة، وسلوك بعض السكان من جهة أخرى، موضحاً أن بعض الأشخاص يرمون النفايات خارج الحاويات أو من النوافذ، فيما يلجأ آخرون إلى حرق الأكوام.
كما أشار عامل النظافة إلى أن نبش الحاويات وفرز محتوياتها بحثاً عن مواد قابلة للبيع، أو الاستخدام يؤدي إلى بعثرة النفايات ويزيد صعوبة جمعها وترحيلها.
وفي إطار الاستجابة للشكاوى، أطلقت محافظة دمشق بوابة “محلولة” الإلكترونية لتحويل الملاحظات إلى إجراءات معالجة، وخصصت رقماً لاستقبال الشكاوى المتعلقة بالخدمات، ومنها تراكم النفايات.
الإدعشرية والكسوة.. تغيير وجهة الترحيل يضغط على الآليات
ويرتبط جانب من تحديات الترحيل في دمشق بتغيير وجهة نقل النفايات من محطة الإدعشرية في منطقة باب شرقي إلى محطة الكسوة في ريف دمشق، ما انعكس على عدد مرات ترحيل الحاويات، بالتزامن مع تهالك عدد من الآليات وكثرة أعطالها.
وأوضح مدير النظافة وإدارة النفايات الصلبة في محافظة دمشق عبدو العلوش، في تصريح سابق، أن تغيير وجهة الترحيل إلى محطة الكسوة أدى إلى زيادة الضغط على عمليات النقل وانخفاض عدد مرات ترحيل الحاويات، مشيراً إلى اعتماد إجراءات إسعافية، منها إرسال آليات هندسية إضافية، والعمل على تأمين آليات حديثة واختيار موقع بديل دائم.
وتبلغ مساحة محطة الكسوة نحو 2000 متر مربع، وتعود ملكيتها لمحافظة ريف دمشق، فيما كانت محطة الإدعشرية تؤدي دوراً وسيطاً في عمليات نقل النفايات قبل تغيير وجهة الترحيل.
حلب.. 700 حاوية و5 ضواغط لتعزيز خدمات النظافة
وفي حلب، أطلقت مديرية النظافة في شباط 2026 حملة لمعالجة تراكم النفايات، ولا سيما في الأحياء الشرقية، تضمنت تعزيز عمليات الجمع والترحيل، وتأمين حاويات وآليات إضافية.
وفي 26 شباط، تسلمت بلدية حلب 700 حاوية قمامة و5 ضواغط نفايات، إضافة إلى 5 حافلات نقل، بهدف دعم خدمات النظافة، وتحسين قدرة المدينة على جمع النفايات وترحيلها.
وتأتي هذه الإجراءات بالتوازي مع استمرار العمل على توفير دفعات جديدة من الحاويات والضواغط، وتعزيز الإمكانات اللازمة لخدمات النظافة في المدينة وريفها.
حمص.. 1500 طن يومياً وتقنية “فوكوكا” اليابانية
وفي حمص، يستقبل مطمر تل النصر بين 1200 و1500 طن من النفايات يومياً، وسط أعمال لتطوير البنية التحتية للمطمر، ومعالجة التحديات المرتبطة بالتلوث البصري وانتشار الأكياس البلاستيكية وإدارة الرشاحة.
وتشمل أعمال التطوير تأهيل خلايا الطمر وتطوير شبكة الرشاحة وترميم سور المطمر، وإنشاء شبكة طرق وإنارة وتشجير الموقع، ضمن إجراءات تهدف إلى تحسين إدارة النفايات، والحد من آثارها البيئية.
كما يجري العمل على تطوير مطمر دير بعلبة وفق طريقة “فوكوكا” اليابانية، التي تعتمد تحسين التهوية والتصريف داخل خلايا الطمر، بهدف تعزيز التحلل البيولوجي وتقليل الانبعاثات، وإطالة العمر الافتراضي للمطمر.
دمشق وحمص وإدلب.. أولى خطوات الفرز من المصدر
وفي 22 تموز 2026، أطلقت حمص تجربة لفرز النفايات من المصدر في عدد من المجمعات السكنية بحي الوعر الجديد، من خلال فصل المواد القابلة لإعادة التدوير عن النفايات الرطبة التي تنقل إلى المطامر.
وتهدف التجربة إلى تقليل كميات النفايات الواصلة إلى المطامر، وخفض استهلاك الوقود، وإطالة العمر التشغيلي لها، من خلال معالجة جزء من النفايات قبل وصوله إلى مواقع الطمر.
وفي إدلب، أطلقت تجربة مماثلة في 1 تموز 2026، تقوم على فصل المواد العضوية الرطبة عن المواد القابلة لإعادة التدوير، مثل البلاستيك والورق والمعادن، وفق نظام “الكيسين”، (مواد عضوية ومواد صلبة) بما يتيح التعامل مع كل نوع وفق طريقة المعالجة المناسبة.
وبالتوازي، بدأت مديرية البيئة في محافظة دمشق تجربة لفرز النفايات من المصدر أيضاً وفق نظام “الكيسين”، في إطار تطوير عمليات الفرز، وإعادة التدوير وتقييم التجربة تمهيداً لإمكانية توسيعها.
دير الزور ودرعا واللاذقية.. مشاريع محلية مواكبة لعودة السكان
أطلقت محافظة دير الزور ومجلس مدينتها، في 16 آب 2026، حملة لترحيل النفايات المتراكمة، وتنظيف الشوارع والحدائق وإزالة الأنقاض.
وكان المجلس تسلّم في تشرين الأول 2025 نحو 200 حاوية قمامة، وعدداً من الآليات الضاغطة، في إطار مواكبة عودة السكان إلى المناطق المتضررة.
وفي بلدة الشجرة بريف درعا، يُنفَّذ مشروع لإدارة النفايات الصلبة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وتمويل ألماني عبر بنك “KFW”، يستهدف تعزيل نحو 400 هكتار في الشجرة و30 هكتاراً في قرية القصير، وترحيل نحو 600 طن من النفايات الصلبة.
أما في اللاذقية، فأعلنت المديرية العامة للإدارة المحلية والبيئة نهاية عام 2025 توزيع 100 حاوية ضمن المرحلة الأولى من خطة تستهدف تأمين 500 حاوية، إلى جانب استجرار آليات حديثة وزيادة عدد العمال وتركيب حاويات ذكية، وتصنيع بعضها محلياً في الورشات الفنية التابعة للمديرية.
”ذبابة الجندي الأسود”.. حين تتحول النفايات العضوية إلى علف وسماد
وبعيداً عن حلول الجمع والترحيل والطمر، ظهرت في سوريا تجارب تستهدف الاستفادة من النفايات العضوية القابلة للتحلل، وتحويلها إلى منتجات يمكن استخدامها في مجالات أخرى.
ومن هذه التجارب مشروع لتربية “ذبابة الجندي الأسود”، يعتمد على استخدام النفايات العضوية القابلة للتحلل في تغذية اليرقات، التي تدخل لاحقاً في إنتاج الأعلاف والأسمدة العضوية.
خلاصة.. مسار جديد لإدارة النفايات
تتجه جهود إدارة النفايات الصلبة في سوريا تدريجياً نحو معالجة دورة النفايات بمراحلها المختلفة، وتحويلها من عبء بيئي متراكم إلى موارد قابلة لإعادة التدوير والاستثمار.
فبين خطة تستهدف طي صفحة 1400 مكب عشوائي، ومراجعة تشريعية تعيد ترتيب المسؤوليات، وتجارب فرز ميدانية ومشاريع تنموية، تتقاطع الجهود عند هدف واحد: منظومة نظيفة ومستدامة، بما يفتح المجال أمام معالجة آثار النفايات البيئية والاستفادة من مكوناتها كمورد قابل لإعادة الاستخدام.