دمشق-سانا
تعمل وزارة الاقتصاد والصناعة على تعزيز نموذج العناقيد الصناعية بوصفه أحد مسارات تطوير الإنتاج المحلي ورفع قدرته التنافسية، عبر تحقيق التكامل بين المنشآت وتوزيع مراحل الإنتاج وفق الاختصاص، وتوفير الخدمات والبنية التحتية المشتركة.
وتبرز صناعة المقطورات وأنصاف المقطورات “التريلات” كنموذج عملي لهذا التوجه، ما يفتح المجال أمام توسيع التجربة إلى قطاعات صناعية أخرى.
وتُعرّف العناقيد الصناعية بأنها تجمعات جغرافية تضم شركات ومؤسسات مترابطة تعمل في قطاع صناعي واحد أو قطاعات متكاملة، بهدف رفع الإنتاجية ودعم الابتكار، من خلال الاستفادة المشتركة من الخبرات والإمكانات وسلاسل الإنتاج.
بناء منظومة إنتاج

وأوضح الخبير الاقتصادي سليمان شعبان لمراسل سانا اليوم الثلاثاء، أن نظام العناقيد الصناعية يمثل انتقالاً من مجرد تجميع المنشآت الصناعية في منطقة واحدة إلى بناء منظومة إنتاج مترابطة تضم منشآت متخصصة ومتكاملة، وموردين ومقدمي خدمات، ومؤسسات تدريب وبحث وفحص واعتماد، تعمل ضمن سلسلة قيمة واحدة أو سلاسل قيمة مترابطة.
وبين شعبان أن العنقود الصناعي لا يقتصر على وجود عدد من المصانع المتجاورة، وإنما يقوم على الروابط الإنتاجية والتعاون والتنسيق والخدمات المشتركة، ما يعزز التخصص وتقسيم العمل، ويرفع الإنتاجية والابتكار والتنافسية، مشيراً إلى أن نجاح هذا النموذج يتطلب وجود آلية حوكمة وتنسيق بين المنشآت والجهات الداعمة.
رسم خريطة للعناقيد الصناعية
ويمكن أن يبدأ تطبيق نظام العناقيد الصناعية في سوريا وفق الخبير الاقتصادي، من القطاعات التي تمتلك كتلة صناعية وسلاسل إنتاج قابلة للتكامل، وذلك من خلال رسم خريطة للعناقيد الصناعية وتحديد توزع المنشآت والقطاعات والفجوات في سلاسل القيمة، واختيار القطاعات ذات الأولوية، وتحديد مراحل سلسلة القيمة ومواطن الضعف والاحتياجات الإنتاجية، إلى جانب تطوير الخدمات والبنية التحتية المتخصصة التي تحتاجها المنشآت.
تحفيز التعاون بين المنشآت

وأشار إلى أن دور وزارة الاقتصاد والصناعة ينبغي أن يتركز في تنظيم وتحفيز منظومة التعاون بين المنشآت وفق إطار قانوني وتنظيمي يحدد شروط اعتماد العناقيد وآليات الحوكمة والتنسيق، وتوفير البنية التحتية والخدمات المشتركة والمختبرات ومراكز الخدمات المتخصصة.
ولفت إلى أهمية ربط المنشآت الصناعية بمؤسسات التعليم والتدريب والمراكز البحثية لتأمين المهارات المطلوبة وتمكين الكوادر وتطوير عمل الموردين المحليين، ودعم عملية البحث والتطوير ونقل التكنولوجيا.
مساعدة المنشآت الصغيرة والمتوسطة
وأكد شعبان أن أهمية العناقيد الصناعية بالنسبة إلى سوريا تكمن في قدرتها على مساعدة المنشآت الصغيرة والمتوسطة على تجاوز محدودية حجمها، من خلال الاستفادة الجماعية من المعدات والخبرات والخدمات المتخصصة، بدلاً من تحمل كل منشأة هذه التكاليف بصورة منفردة.
وأوضح أن الاستفادة المشتركة داخل العنقود يمكن أن تشمل خفض تكاليف مستلزمات الإنتاج عبر الشراء الجماعي وتعزيز القدرة التفاوضية، وإتاحة معدات وتقنيات متطورة للمنشآت التي لا تستطيع شراءها بصورة منفردة، وتنظيم برامج تدريب مشتركة، وربط المنشآت الصغيرة بالمصانع الكبيرة ضمن سلاسل التوريد المحلية.
وبين أن العنقود يمكن أن يحول المنشأة الصغيرة من منتج منفرد إلى مورد متخصص ضمن سلسلة إنتاج أكبر، موضحاً أن الهدف ليس إنتاج كل منشأة جميع مكونات المنتج، وإنما تحقيق التخصص والتكامل بين المنشآت بما يرفع كفاءة الإنتاج وجودته.
الوصول للأسواق الخارجية
وفيما يتعلق بالتصدير، أشار الخبير الاقتصادي إلى أن العناقيد الصناعية يمكن أن تساعد المنشآت الصغيرة والمتوسطة على الوصول إلى الأسواق الخارجية من خلال تجميع قدراتها وتنظيم جهودها في مجالات التسويق ودراسة الأسواق والمشاركة في المعارض والشحن والحصول على شهادات المطابقة والتفاوض مع المشترين.
المقطورات وأنصاف المقطورات نموذجاً
وأشار شعبان إلى أن تجربة صناعة المقطورات وأنصاف المقطورات التي بدأت وزارة الاقتصاد والصناعة تطبيقها يمكن أن تشكل نموذجاً عملياً لتطبيق نظام العناقيد الصناعية، من خلال توزيع مراحل الإنتاج بين منشآت متخصصة تشمل التصميم والهندسة والهياكل والمكونات والتجميع والفحص والاعتماد والتسويق.
وفي هذا السياق، أصدرت الوزارة في الـ 24 من شهر أيلول الجاري، تعميماً يقضي بتنظيم صناعة المقطورات وأنصاف المقطورات، ومعالجة أوضاع المصنّع منها سابقاً، عبر اعتماد نظام العناقيد الصناعية، الذي يطبق للمرة الأولى في سوريا، باعتباره نموذجاً إنتاجياً معمولاً به دولياً، وذلك استجابة لمطالب الصناعيين وتيسيراً لعملهم.
وأوضح شعبان أن هذا النموذج يتيح بناء سلسلة إنتاج مترابطة بدلاً من اعتماد منشأة واحدة على تنفيذ جميع مراحل تصنيع المنتج، بما يفتح المجال أمام مشاركة عدد أكبر من المنشآت، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة، في العملية الإنتاجية.
متطلبات النجاح
وأكد أن نجاح نظام العناقيد الصناعية يتطلب:
• وجود منشآت وسلاسل قيمة فعلية.
• إدارة أو جهة تنسيق.
• مشاركة حقيقية من القطاع الخاص.
• برامج لتطوير الموردين.
• التدريب والتمويل.
• ربط الصناعة بالجامعات ومراكز البحث.
ولفت شعبان إلى أهمية تقييم تجربة العناقيد الصناعية وفق مؤشرات واضحة قبل توسيعها إلى قطاعات أخرى، مبيناً أن القرب الجغرافي للمنشآت لا يكفي وحده لإنشاء عنقود صناعي ناجح، وإنما تكمن القيمة في بناء روابط إنتاجية حقيقية تسهم في رفع القيمة المضافة، وخفض التكاليف، وتحسين الجودة، ودعم تنافسية الصناعة السورية وربطها بسلاسل القيمة الإقليمية والدولية.
وتبرز تجارب دولية رائدة في تبني نموذج العناقيد الصناعية، وفي مقدمتها الصين والولايات المتحدة وألمانيا، التي تستحوذ مجتمعة على 53 عنقوداً ضمن قائمة أفضل 100 عنقود ابتكاري عالمي وفق مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025 الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية.