دمشق /عمان-سانا
ترتبط قدرة سوريا على جذب الاستثمارات بحجم الفرص المتاحة في قطاعات اقتصادها، وبقدرة القطاع المصرفي في الوقت نفسه على توفير القنوات التي تحول هذه الفرص إلى مشاريع وتدفقات مالية فعلية، وهو ما وضعه المؤتمر العربي الإقليمي حول دعم التنمية والاستثمار في سوريا، المنعقد في العاصمة الأردنية عمّان، في صلب نقاشاته.
ويأتي ذلك في وقت يعمل فيه مصرف سوريا المركزي على توسيع شبكة علاقاته المصرفية وإعادة تفعيل قنوات المراسلة، بالتوازي مع مسار إصلاحي يستهدف تطوير أنظمة الدفع والتشريعات والرقابة والالتزام، بما يعزز قدرة القطاع المصرفي على مواكبة احتياجات الاقتصاد والاستثمار.
قنوات مصرفية لتمويل الاقتصاد
وأكد حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان، أهمية وجود القطاع المصرفي السوري في المؤتمر، باعتباره جزءاً أساسياً من جهود التنمية وجذب الاستثمارات، وقال لـ سانا: “لا تنمية ولا استثمار بدون قنوات مصرفية، ولا قنوات مصرفية من دون علاقات مبنية على أسس صحيحة”.
وأوضح رسلان أن مشاركة مصرف سوريا المركزي إلى جانب مجموعة من المصارف السورية تستهدف فتح قنوات جديدة مع المصارف الأردنية بالدرجة الأولى، والمصارف العربية والإقليمية، مشيراً إلى أن بناء هذه العلاقات يحتاج إلى لقاءات واجتماعات متعددة، وهو ما شكل أحد محاور النقاشات الثنائية التي شهدها المؤتمر.
وتتقاطع هذه الخطوة مع ما أكدته مديرة العمليات المصرفية في مصرف سوريا المركزي خلود شيخو، حول إعادة تفعيل العلاقات مع عدد من المصارف المراسلة، مع توقعات بتوسيع هذه الشبكة خلال المرحلة المقبلة، الأمر الذي من شأنه زيادة حجم المعاملات المالية وتعزيز تدفق الاستثمارات إلى سوريا.
وشارك في المؤتمر، الذي عقد يومي 21 و22 أيلول الجاري، عدد كبير من صناع القرار والمصرفيين والخبراء والمستثمرين ورجال الأعمال وممثلي المؤسسات المالية والمصرفية من سوريا والدول العربية.
اهتمام بتأسيس مصارف جديدة
ولا يقتصر الحراك المصرفي على إعادة تفعيل العلاقات، إذ أظهرت اجتماعات المؤتمر اهتماماً بتأسيس مصارف جديدة في سوريا، وفق معاون مدير مديرية المفوضية في مصرف سوريا المركزي محمود باشا.
وأوضح باشا أن سبعة وفود أبدت رغبتها في تأسيس مصارف في سوريا، مبيناً أن العمل معها سيبدأ خلال المرحلة المقبلة لاستكمال الإجراءات وفق التشريعات والقوانين السورية الناظمة لهذا المجال.
وتعكس هذه الرغبة، وفق المعطيات التي برزت خلال المؤتمر، انتقال النقاش من البحث في فرص الاستثمار إلى بحث الأدوات المالية والمصرفية اللازمة لمواكبة هذه الفرص، ولا سيما أن دخول مصارف جديدة يمكن أن يوسع قاعدة التمويل والخدمات المصرفية المتاحة أمام الشركات والمستثمرين.
الإصلاح المصرفي بوابة الاستثمار
قال الأمين العام لاتحاد المصارف العربية وسام فتوح: إن الاتحاد ينظر إلى المؤتمر باعتباره منصة لدعم استراتيجية مصرف سوريا المركزي 2026-2030، وما تتضمنه من إصلاحات مصرفية في مجالات الرقابة وتطوير أنظمة الدفع والقوانين والتشريعات وترسيخ مبادئ الالتزام ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وأكد فتوح أن “لا إصلاح اقتصادياً ولا استثمار من دون إصلاح مصرفي شامل”، مشيراً إلى أن المصارف تمثل عصب الاقتصاد وأداة أساسية لتمويله، ولا سيما في مرحلة تحتاج فيها سوريا إلى استثمارات وتمويلات أكبر لاستثمار الفرص المتاحة في قطاعات الاتصالات والزراعة والنقل والخدمات المالية وغيرها.
وأضاف أن اتحاد المصارف العربية مستعد لمواكبة مصرف سوريا المركزي في مسار التعافي، بما يشمل التدريب والتأهيل وتطوير البنية التحتية والإمكانات التقنية اللازمة للانفتاح على المؤسسات المالية الدولية.
أول دعوة لسوريا إلى مؤتمر مصرفي في نيويورك
وأشار فتوح إلى أن مسار الانفتاح المصرفي على سوريا لا يقتصر على الدول العربية، إذ إن سوريا مدعوة للمرة الأولى للمشاركة في مؤتمر دولي سيعقد في نيويورك ويستضيفه بنك الاحتياطي الفيدرالي، وسيتضمن جلسة خاصة حول القطاع المصرفي السوري، بهدف بحث سبل تقريب هذا القطاع من المؤسسات والشبكات المالية الدولية، وفي مقدمتها “سويفت” وغيرها.
ويربط فتوح نجاح هذا الانفتاح بمدى جاهزية القطاع المصرفي السوري للاتصالات الدولية، من حيث البنية التحتية والتأهيل والتدريب والإمكانات التقنية، وهو ما يجعل الإصلاح المصرفي جزءاً من عملية أوسع تتجاوز تطوير القطاع نفسه إلى تهيئة الاقتصاد السوري لاستقبال التمويل والاستثمار.
وبذلك، يفتح مؤتمر عمان مساراً يتدرج من إعادة بناء العلاقات المصرفية العربية وتوسيع شبكة المصارف المراسلة، إلى استقطاب مصارف جديدة والاستعداد للتواصل مع المؤسسات المالية الدولية، بما يضع القطاع المصرفي في موقع أساسي لتحويل فرص الاستثمار المتاحة في سوريا إلى حركة اقتصادية وتمويلية فعلية.