إدلب-سانا
تشكل ورش حرفة صناعة “الكوشوك” في معرة النعمان بريف إدلب نموذجاً للحرف التقليدية التي تجمع بين البعدين الاقتصادي لجهة توفير فرص عمل والبيئي عبر إعادة تدوير العجلات التالفة وتحويلها إلى أدوات عملية بدل رميها كنفايات، في مدينة تحاول التعافي وإعادة ورش الإنتاج بعد سنوات من الدمار.

وصناعة “الكوشوك” أو ما يعرف محلياً ب”الزنابيل والدراميل البلاستيكية”، هي عمل يدوي يعتمد على إعادة تدوير الإطارات المهترئة، والمستخدمة في نقل الأتربة والأدوات الحادة والمواد الزراعية، إضافةً لاستعمالها في الأعمال الزراعية وخاصة في موسم الزيتون في ريف إدلب الشمالي الغربي، وتعتمد بالكامل على مواد أولية متوافرة محلياً وبكلفة منخفضة.
حرفيون حافظوا على المهنة
وفي رحلة استمرت على أربعة عقود يواصل إبراهيم الطعمة من أبناء مدينة معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي عمله في ورشته، متمسكاً بحرفة تقليدية قاومت التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وشارفت على الاندثار، لكنها ظلت حاضرة بفضل إخلاص أصحابها لها، رغم تراجع كثير من المهن اليدوية.

يقول الطعمة لـ سانا: “تعلمت الحرفة منذ الصغر، وما زلت أزاولها منذ 40 عاماً، وحرصت على توريثها لأولادي وأقاربي، وحافظت هذه الحرفة على وجودها لأن منتجاتها وخاصة “الزنبيل والدرملية” ما زالت حاضرة بقوة في السوق المحلية، كما يتم تصدير بعض المنتجات إلى عدد من الدول، فيما يتم استهلاك بقية المنتجات محلياً لأغراض البناء والزراعة”.
ويضيف الطعمة: “إن صناعة الكوشوك تتميز باعتمادها على مواد أولية متوافرة محلياً وبكلفة منخفضة قوامها الإطارات التالفة، ما يجعلها مصدر دخل ثابت في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، ولا تحتاج إلى رأسمال كبير، ومستلزماتها متوافرة باستمرار، كما أن إعادة تدوير الإطارات التالفة، تقلّل من تكدسها في الأحياء والطرقات”.
حاجة السوق لها أسهم باستمرارها
ويرى الحرفي الطعمة أن معظم المهن اليدوية في معرة النعمان تراجعت مع سنوات الحرب والنزوح ودخول البضائع الجاهزة إلا أن حرفة صناعة الكوشوك بقيت مستمرة نظراً لحاجة السوق المحلية لها وانخفاض كلفتها، معتبراً أن استمرارها مرهون بدعم بسيط لتأمين المواد الأولية وتسهيل تسويق المنتج.
ولم يكن عماد العمشة، من أهالي معرة النعمان، أقل شغفاً بالمهنة من ابن مدينته الطعمة، حيث أوضح أنها حرفة قديمة ورثها عن آبائه وأجداده، وتنتج نحو عشرين صنفاً، منها “زنابيل” تستخدم كمعالف للمواشي التي يتم تصديرها إلى السعودية والأردن والعراق، وأخرى لمحامص الموالح ولمحلات الخضار والفواكه، واستخراج المياه يدوياً من الآبار المنزلية، إضافة لتصنيع حبيبات لفرش أرضية الملاعب ناتجة من طحن السطح الخارجي للإطارات.
ووفق العمشة يعمل حالياً في هذه الحرفة ما يقارب خمس العائلات في المنطقة، موضحاً أن الحرفة تدر دخلاً مقبولاً وتواجه بعض المعوقات منها ضعف التصدير نتيجة ارتفاع الضريبة الجمركية عليها، وقلة اليد العاملة الراغبة في العمل بهذه الحرفة الشاقة نوعاً ما، مشدداً في الوقت نفسه على أنه رغم الصعوبات، تبقى مهنة تراثية ليس من السهل التخلي عنها.
وشهدت مدينة معرة النعمان تراجعاً كبيراً في عدد الحرف اليدوية خلال السنوات الماضية، بسبب الحرب والنزوح ودخول البضائع المصنعة، لكن بعض الحرف التراثية المرتبطة بالحاجة اليومية للأهالي، وتاريخ مدنهم وآبائهم وأجدادهم مثل صناعة الكوشوك، نجحت في البقاء واستمرت كمصدر رزق رئيسي لعائلات.
ولا تزال الحرفة تعتمد على العمال اليدويين، حيث تعد ورش الكوشوك في معرة النعمان نموذجاً للحرف التقليدية الصامدة أمام سيطرة الصناعات الجاهزة، وتبقى جزءاً من الهوية المهنية للمدينة.





