دمشق-سانا
تتجه أنظار الأسواق المالية العالمية إلى واشنطن حيث تنعقد الأسبوع المقبل الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وسط توقعات بتراجع النمو العالمي وتحذيرات من أن الصدمة الجيوسياسية الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط قد تترك “ندوباً” طويلة في أسواق المال، حتى لو تمكنت الهدنة الهشة من الصمود.
وأكدت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا أمس الخميس، أن الحرب تسببت في “أكبر اضطراب في إمدادات الطاقة منذ عقود”، مشيرة إلى أن إمدادات النفط العالمية انخفضت بنحو 13 بالمئة، بينما تراجعت إمدادات الغاز الطبيعي المسال بنسبة 20 بالمئة، موضحة أن الصدمة تنتقل عبر ثلاث قنوات رئيسية: ارتفاع الأسعار، وتصاعد توقعات التضخم، وتشديد الأوضاع المالية.
في غضون ذلك، قفزت أسعار النفط الخام مجدداً، وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 69 بالمئة منذ بداية العام، ليصل إلى 103.9 دولارات للبرميل بحلول نهاية الربع الأول، بينما تضاعفت أسعار الغاز الطبيعي تقريباً، وجاء هذا الارتفاع بعد أن أغلق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز العالمية.
ما بين الانهيار الجزئي والتعافي الحذر
وتأثرت مؤشرات الأسهم العالمية بشكل حاد بالصدمة، فانخفض مؤشر MSCI ACWI العالمي بنسبة 3.2 بالمئة خلال الربع الأول، وكانت الأسواق الناشئة واليابان الأكثر تضرراً في شهر آذار، بينما تراجعت أسهم قطاعي السلع الاستهلاكية التقديرية والتكنولوجيا التي تضم كبرى شركات الأسهم الأمريكية، بشكل ملحوظ.
وأظهرت بيانات “إس آند بي غلوبال” أن مؤشر S&P 500 واصل مكاسبه للمرة السابعة على التوالي، بينما ارتفع مؤشر ناسداك (الذي يضم كبرى شركات التكنولوجيا)، وفي أوروبا، تراجعت الأسهم مع عودة المخاوف، حيث سجل مؤشر Euro Stoxx 50 انخفاضاً ملحوظاً.
الأسواق الناشئة في قلب العاصفة
وأكد رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا أن الحرب تشكل “صدمة سلبية واسعة النطاق” تهدد استقرار الاقتصاد العالمي، معرباً عن قلقه تجاه الأسواق الناشئة التي تعاني أوضاعاً مالية معقدة، موضحاً أن احتياجات التمويل الطارئة قد تتراوح بين 20 و25 مليار دولار في الشهور الأولى، وصولاً إلى 60–70 مليار دولار خلال ستة أشهر.
من جانبه، أشار كونجال غالا، رئيس قسم الأسواق الناشئة في فيدراتيد هيرميس، إلى أن العديد من الدول الآسيوية، التي تتجه إليها نحو 80 بالمئة من صادرات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، حملت العبء الأكبر من الصدمة.
آثار الندوب وعلاوات مخاطر أعلى
ونقلت صحيفة فايننشال تايمز عن رئيس الدخل الأساسي والائتمان الاستثماري في أفيفا إنفستورز جيمس فوكينز، قوله إن الحرب ستترك “ندوباً” في الأسواق المالية، وأن المستثمرين سيستمرون في طلب “علاوة مخاطر أعلى” حتى بعد انتهاء القتال، مضيفاً: “الأمر لا يتعلق فقط بإعادة فتح مضيق هرمز؛ بل إن الأضرار التي لحقت بالثقة قد تستغرق سنوات للتعافي”.
البنوك المركزية في موقف صعب
وأكد حاكم بنك إنكلترا ورئيس مجلس الاستقرار المالي أندرو بيلي، أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى تآكل الدخل الحقيقي للأسر وتراجع الإنفاق الاستهلاكي، مضيفاً: إن الوقت ليس حليفنا، فكلما طال أمد الأزمة، زادت المخاطر التي تتحول فيها الصدمة المؤقتة إلى أضرار هيكلية دائمة، مشيراً إلى أن الاقتصاد العالمي يواجه “صدمة كبيرة”.
وفي سياق متصل، أظهرت محاضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في 17–18 آذار، الصادرة في 8 نيسان، أن معظم المسؤولين لا يزالون يتوقعون خفض أسعار الفائدة هذا العام، لكنهم شددوا على ضرورة التحلي بالمرونة في تعديل السياسة النقدية، بما يعني أن الخفض ممكن لكنه ليس مضموناً ويقيم وفقاً لمسار التضخم ومستوى النمو.
ويأتي هذا التحذير في وقت تترقب فيه الأسواق انعقاد اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدولي في واشنطن الأسبوع المقبل، وسط توقعات بأن تكون التوقعات الاقتصادية الجديدة أكثر قتامة من سابقاتها، مع بقاء الحرب في الشرق الأوسط عاملاً رئيسياً من عوامل عدم اليقين.