عواصم-سانا
تمر العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين بمرحلة حساسة، حيث تتداخل الملفات التجارية مع التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، فالرسوم الجمركية الجديدة التي أقرّتها واشنطن دفعت بكين إلى التحذير من تأثيرها على استقرار العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم، في وقت تسعى فيه الدبلوماسية إلى إعادة بناء الثقة بعد سنوات من التوترات.
ويضيف تأجيل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زيارته إلى الصين بسبب الحرب الإيرانية، بعداً سياسياً جديداً للنقاشات الاقتصادية، إذ تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام تحدي الموازنة بين حماية مصالحها التجارية، والتعامل مع تعقيدات الأمن الإقليمي.
هذا التشابك يجعل استقرار العلاقة الثنائية اختباراً لقدرة الطرفين على الفصل بين الاقتصاد، والضغوط الاستراتيجية.
تحذيرات صينية ودعوات للحوار
وشهدت باريس محادثات رفيعة المستوى بين وفدين، أمريكي وصيني برئاسة وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت والممثل التجاري جيمسون غرير، ونائب وزير التجارة الصيني لي تشنغ قانغ، وتركزت النقاشات على الرسوم الجمركية والتدابير غير الجمركية، تمهيداً للقمة المرتقبة بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ.
وخلال الاجتماعات، عبّرت بكين عن قلقها من التحقيقات التجارية التي أطلقتها واشنطن بموجب المادة الـ 301، معتبرةً أنها إجراءات أحادية قد تضر بالاستقرار الاقتصادي، حيث أكد لي تشنغ قانغ أن بلاده تشعر بـ”قلق بالغ” من نتائج هذه التحقيقات، وخصوصاً بعد إلغاء المحكمة العليا الأمريكية رسوماً سابقة، محذراً من تأثيرها على العلاقات التجارية المستقرة بين البلدين.
في المقابل، شدد الوفد الأمريكي على أهمية استمرار الحوار لتجنب ردود فعل انتقامية، وضمان استقرار الأسواق العالمية، موضحاً أن المحادثات رسمت “خطوطاً عريضة لخطة عمل” للقمة المقبلة، تشمل معالجة التحقيقات الأمريكية المتعلقة بالصين.
توافق مبدئي ومحاولات لاحتواء التوتر
وناقش الجانبان إمكانية تمديد تعليق بعض الرسوم السابقة، وإنشاء آلية تعاون لتعزيز الاستثمار المتبادل، وحماية سلاسل التوريد، في محاولة لمنع أي تصعيد جديد، كما توصلا إلى توافق مبدئي حول عدد من القضايا، مع الالتزام بمواصلة المشاورات لضمان استقرار العلاقات الاقتصادية على المدى الطويل.
وتأتي هذه الجهود في ظل محاولات إصلاح العلاقات بعد حرب تجارية شهدت فرض رسوم متبادلة، وفي وقت تتأثر فيه أسواق الطاقة بتداعيات الحرب على إيران، التي دفعت ترامب لتأجيل زيارته إلى بكين.
ويعكس هذا التأجيل حساسية الربط بين الملفات الاقتصادية والسياسية، إذ تسعى واشنطن للحصول على دعم صيني في ملف مضيق هرمز، بينما تحرص بكين على حماية مصالحها دون الدخول في مواجهة مباشرة.
زيارة مرتقبة ودلالات
وستكون زيارة ترامب إلى الصين الأولى لرئيس أمريكي منذ عام 2017، وستأتي بعد خمسة أشهر من لقائه الرئيس شي في بوسان.
وألمح ترامب إلى إمكانية تأجيل الزيارة سعياً للحصول على دعم بكين في إعادة فتح مضيق هرمز، وتهدئة أسعار النفط المرتفعة، إلا أن بيسنت أوضح أن أي تأجيل لن يكون مرتبطاً بالضغط على الصين أو مطالبها بمضيق هرمز، بل لأسباب تتعلق بمسؤوليات الرئيس في سياق الحرب الحالية.
وتظهر الجولة الأخيرة في باريس بوضوح أن استمرار الحوار بين واشنطن وبكين هو العامل الأساسي لضمان الاستقرار الاقتصادي العالمي، وخاصة في ظل حساسية ملف الرسوم الجمركية، وأثرها المباشر على التجارة والاستثمار بين أكبر اقتصادين عالميين.
كما تبرز المحادثات الأخيرة كمحاولة من الطرفين لتهدئة التوترات التجارية عبر الحوار المباشر، بما يضمن استقرار الرسوم الجمركية، وتقليل الضغوط على الأسواق، ودعم التجارة العالمية في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.